ثيابُ بني عوف طَهَارَى نَقِيَّة ** وأَوْجُهُهُمْ بِيْضُ المَسَافر غُرَّانُ
وحقِيقَته: إِرسالُ اللباس وإِطالتهُ وإِرخاؤه تحت الكعبين, وتعريضُه لجَرِّ طرفه على الأَرض إِذا مشى. وأَحاديثُ النهيِ عن الإِسبال بَلَغَتْ مبلغَ التواترِ المعنوي, في الصحاح, والسننِ, والمسانيدِ, وغيرها, بروايةِ جماعةٍ من الصحابة – رضي الله عنهم - منهم: العَبادِلَةُ هنا: ابن عباس, وابن عمر, وابن مسعود, وأَبو هريرة, وأَنس, وأَبو ذر, وعائشة, وهُبَيْب بن مُغَفَّل الأَنصاري, وأَبو سعيد الخدري, وحذيفة بن اليمان, والمغيرة بن شعبة, وسمرة بن جُندب, وسفيانُ بنُ سهلٍ, وأَبو أُمامةَ, وعُبيدُ بنُ خالدٍ, وأَبو جري الهجيميّ: جابرُ بنُ سليم, وابْنُ الحَنظْلِيَّةِ, وعمرو ابن الشريد, وعمرو بنُ زرارةَ, وعمرو بنُ فلانٍ الأَنصاريُّ, وخزيم بنُ فاتك الأَسديُّ – رضي الله عنهم أَجمعين - وجميعُها تفيدُ النهيَ الصريحَ نهيَ تحريم, لما فيها من الوعيد الشديد, ومعلومٌ أَنَّ كُلَّ مُتَوَعد عليه بعقاب من نار, أَو غضب, أَو نحوها, فهو محرَّمٌ, وهو كبيرةٌ, ولا يقبلُ النسخَ, ولا رفعَ حُكْمِه, بل هو من الأَحكامِ الشرعيةِ المُؤبَّدةِ في التحريمِ, و ((الإِسبالُ)) هنا كذلك, لوجوه:
1 - مخالفةُ السُّنة.
2 - ارتكابُ النهيِ.
3 - الإِسرافُ, وهذا ضياعٌ لتدبير المال. ولهذا أَمرَ عمرُ –رضي الله عنه- ابنَ أَخيه برفعِ إِزاره, وقال له: ((هو أَبقى لثوبك, وأَتقى لربك)).
4 - المَخِيْلَةُ, والخيلاءُ, والتَّبَخْتُرُ, وهذا ضياعٌ مضِرٌّ بالدِّين, يورثُ في النَّفس: العُجْبَ, والترفع, والفَخْرَ, والكِبْرَ, والزَّهْوَ, والأَشَرَ, والبَطَر, ونسيانَ نعمة الله سبحانه على عبده, وكلُّ هذا من موجباتِ مَقْتِ للمُسْبِلِ, ومقتِ الناسِ له, و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [سورة لقمان, الآية:18]. و ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [سورة النحل, الآية:23]. والدار الآخرة كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة القصص, الآية:83].
5 - التَّشبُّهُ بالنِّساءِ.
6 - تعريضُ المَلْبْوس للنجاسة, والقَذَر, ومسح مواطئ القَدم.
7 - لِشِدَّةِ تأثير الإِسبال على نفس المسبل وما لكسب القلب من حالة وهيئة منافية للعبودية, منافاة ظاهرة, أَمر النبي (المسبلَ بإِعادة الوضوء, وأَن الله لا يقبل مسبل, وحملَ الفقهاء ذلك الحديث على الإِثم مع صحة الصلاة, كحال فيمن صلى في كل ثوب يحرم لبسه, وفي الدار المغصوبة, وكما في تحريم آنية الذهب والفضة اتخاذاً, واستعمالاً, وتحريم الوضوء منهما, خلافاً لابن حزم, ومذهب أَحمد, القائل ببطلان وضوء المسبل وصلاته, وأَنَّ عليه الإِعادة لهما غير مسبل, نعم: لا يصلي المسلم خلف مسبل اختياراً.
8 - يُعَرِّضُ المُسْبِلُ نَفْسَهُ للوعيد الشديد في الدُّنيا والآخرة, إِذْ يُكْسِبُهُ الإِثمَ, والخَسْفَ بالمسبل, وأَن الله لا يحبُّ المُسْبِلِينَ, ولا ينظرُ الله إِلى مسبل, وليسَ المسبلُ من الله في حِلٍّ ولا حرامٍ, أَي لا يُبَالِهِ اللهُ بالَهُ, وأَن المسبل وما أَسبل متوعد بالنار, على حدِّ قول الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء, الآية:98] , وقيل: معنى الحديث: ((ما أَسفلَ الكعبينِ مِنَ الإِزارِ ففي النارِ)) أَي مِنْ قدم المسبل ففي النار عقوبةً له على فِعْلِهِ.
• لهذه الوجوه وردَ النهيُ عن الإِسبالِ مُطْلقاً في حَقِّ الرجال, وهذا بإِجماعِ المسلمين, وهو كبيرةٌ إِن كان للخيلاء, فإِن كان لغيرِ الخيلاءِ فهو محرَّمٌ مذمومٌ في أَصَحِّ قولي العلماء, والخلاف للإِمام الشافعي والشافعية في أَنه إِذا لم يكن للخيلاء فهو مكروه كراهة تَنْزِيهٍ, على أَنَّه قد ثَبَتَ عن النبيِّ (يقضي بأَن مُجَرَّدَ الإِسبال: ((خيلاء)) , فعن ابن عمر – رضي الله عنهما - مرفوعاً: ((وإِيَّاك وَجَرَّ الإِزار فإِنَّ جَرَّ الإِزار من المخيلة)) [رواه ابن منيع في: ((مسنده))] , وعن أَبي جري الهجيمي جابر بن سليم, مرفوعاً: ((وإِيَّاكَ والإِسبالَ فإِنَّه من المخيلة)) [رواه أحمد في: ((المسند))]. فظاهرهما يَدُلُّ على أَن مجرد الجر, يستلزم الخيلاء, ولو لم يقصد اللابسُ ذلك, فالمسلم ممنوع منه لكونه مظنة الخيلاء, ولو كان النهي مقصوراً على قاصد الخيلاء غير مطلق, لما ساغ نهي المسلمين عن منكر الإِسبال مطلقاً, لأَن قَصْدَ الخيلاء من أَعمال القلوب, لكن ثبت الإِنكار على المسبل إِسباله دون الالتفات إِلى قصده, ولهذا أَنكر (على المسبل إِسباله دون النظر في قصده الخيلاء أَم لا, فقد أَنكرَ (على ابن عمر – رضي الله عنهما -, وأَنكرَ على جابر بن سليم, وعلى رجل من ثقيف, وعلى: عمرو الأَنصاري, فرفعوا – رضي الله عنهم - أُزُرَهُمْ إِلى أَنصاف سُوقِهِمْ.