تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولهذا والله أَعلم فإِنَّ أَلفاظ الروايات بجعل الإِزار إِلى عضلة الساقين أَو إِلى أَنصاف الساقين, كلها بلفظ: ((الإِزار)) ولم أَقف على شيء منها بلفظ: ((الثوب)) , فَلْنَقِفْ بالنَّص على لفظه, ومورده, وأَما فيما تحت نصف الساق ففي بعض أَلفاظها إِطلاقٌ, يشملُ الإِزار, والثوب وغيرهما. وهذه الحدودُ الثلاثةُ الشرعيةُ لموضع طول ((الإِزار)) , والحدُّ الشرعيُّ لموضعِ طول ((الثوب)) تَعْنِي التَشْمِيرَ, المستحبَّ شَرْعاً, وقد كانت العرب تمدح تشميرَ الإِزار, ومنه قول مُتَمِّم بن نُوَيْرَة في رثاء أَخيه مالك بن نويرة:

تَرَاهُ كَنَصْلِ السَّيْفِ يَهْتَزُّ لِلنَّدَى ** وَلَيْسَ عَلَى الكَعْبَيْنِ مِنْ ثَوْبِهِ فَضْلُ

وتَتِمُّةُ الشواهدِ العربية في: ((التمهيد: 20/ 228)) و ((الاستذكار: 26/ 189)). لابن عبد البر – رحمه الله تعالى -.

• هذه هي الحدود المشروعة لأَطراف الإِزار والثوب من الساق, وما سوى هذه المواضع الثلاثة, فَلاَ حَظَّ لها في الشرع المطهر من طَرَفِ الإِزار, وقد دَلَّت النصوص على أَنَّ لها أَربع حالات: ثلاث حكمها: التحريم, وواحدة حُكمها: الكراهة, وجميعا تدور بين الإِفراط والغلو في ((التشمير)) , والتفريط في ((الإِسبال)) , وهذا بيانها وَصْفاً, وحُكْماً:

• حالتان فوق عَضَلة الساق, هما: حالة كراهة, وهي حالة الغلو في التشمير للإِزار إِلى ما فوق عضلة الساق, ودون الركبة.

• وحالة تحريم, وهي ما بدت فيها العورة, وستر العورة من السُّرة إِلى الركبة من أَوجب الواجبات, وإِنَّ من المُنكر العظيم, كشف العورة, فيا لله كَمْ كشفها – لا سيما ما انتشر من كشف الفخذين - من الوقاحة, وصفاقة الوجه, وانتزاع الحياء, ومبارزة لله بمعصيته, نعوذ بالله من تَلُوُّثِ الفِطْرَةِ, ورِقَّةِ الدِّينِ. وكما يحرُم فعلُ ذلك, فإِنَّه يحرُم النظرُ إِلى عورةٍ مكشوفةٍ, وما داخل المسلمين من كشف الفخذين, ومشاهدة الناس لهم, هتكٌ متتابعٌ لحُرُماتِ الشريعة, لا يجوز حضورها, ولا مشاهدتها, ويجب على من بسط الله يده, تغيير هذه المنكرات, ورعايةُ الحرمات, والرحمة بالمسلمين من مراغمتهم عليها.

• وحالتان فيما تحت الحدِّ الأَقصى لأَطراف اللباس: من تحت حده بنصف الساق إِلى الكعبين, وهما:

1 - تغطيةُ الكعبين بالإِزار, وقد ثبت عن النبي (أَنَّه ليس للكعبين حق في الإِزار, كما تقدَّم في حديث حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه -. و ((الكعبان)): هما العظمان الناتئان في جانبي مَفْصلِ الساق من القدم, وهما حَدُّ غَسْلِ الرجلين في الوضوء. وهذا والله أَعلم من باب تحريم الوسائل, الموصلة إِلى المُحَرَّم, تحريم غاية: ((الإِسبال)). ونظائره في الشريعة كثيرة, ساق ابن القيم –رحمه الله تعالى- منها جملةً في: ((روضة المحبين)) و ((إِعلام الموقعين)) , وهكذا إِذا حُرِّمَ شيء حُرِّمت الأَسبابُ المُفْضِيَةُ إِليه, وفي: ((التوحيد)) مسائل لحِمَايَةِ التوحيد, وأُخرى لحماية حِمى التوحيد. والله أَعلم.

2 - تحريمُ ما نزلَ عن الكعبين من كُلِّ ما يُلبسُ من إِزارٍ, أَو ثوبٍ, أَو حلَّةٍ, أَو كساءٍ, أَو عباءةٍ, أَو سراويلَ, إِلى غير ذلك مما يلبسه الرجال, وعلى عموم النهي جاءت فتوى ابن عمر – رضي الله عنهما - في قوله: ((ما قال رسول الله (في الإِزار فهو في القميص)). [رواه أَبو داود]. أَي في: النهي عن الإِسبال في الإِزار, والقميص, والعمامة, ونحوها, وفَتْواهُ هذه هي في معنى حديثه المرفوع, أَن رسول الله (قال: ((الإِسبالُ في الإِزارِ, والقميص, والعمامة, مَنْ جَرَّ منها شيئاً خيلاء لم ينظر الله إِليه يوم القيامة)) [رواه أَبو داود وغيره]. وهذا هو: ((الإِسبالُ)) المنهيُّ عنه شرعاً من وجوه عدة, ويسميه أَمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: ((فضول الثياب)) , وقال: ((فضولُ الثيابِ في النار)) [ذكره ابن عبد البر في: ((الاستذكار)): 26/ 188]. وهو أَحد الأَقوال الثمانية في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [سورة المدثر, الآية:4]. أَي: وثيابك فَشَمِّر وَقَصِّر, فإِن تقصيرَ الثياب أَبعد من النجاسة, فإِذا انْجَرَّتْ على الأَرض لم يُؤْمَن أَن يصيبَها ما يُنَجِّسُها, وقيل: وثيابك فأَنْقِ, ومنه قولُ امريء القيس:

حد الثوب والأزرة · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حد الثوب والأزرةص ٣