إن دور الأب هام في تأصيل هذه المفاهيم والمعاني في نفس الولد، وتأديبه عليها ليتعامل مع هذه المتغيرات الكونية المختلفة تعاملاً صحيحاً. فإذا عاين الريح أمر بأن لا يسبها أو يكرهها بل يدعو بالدعاء المأثور الوارد في ذلك، وإذا سمع صوت الصواعق أعلم أن هذا من أمر الله، وأن هذه الصواعق والرعد والبرق كلها مخلوقة لله عابدة له مسبحة بحمده لن تضرأحداً إلا بإذنه، ويوجهه للدعاء المأثور في ذلك: ((اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك))، وكذلك إذا رأى من آيات الله في الكون ما يعجبه كالهلال مثلاً فإن الأب يعلمه الدعاء المأثور في ذلك: ((اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله))، فيستشعر الولد بقوله: ((ربي وربك الله)) كأنه يخاطب الهلال وهو الجماد، فيحس أنه يسمعه ويعقل عنه.
وقد كان من سنته عليه الصلاة والسلام إعطاء تلك الجمادات نوعاً من التكريم وكأنها عاقلة مدركة، فقد كان يطلق على بعض أدواته الأسماء مثل ما كان يفعل مع دوابه فأطلق على سيفه اسم " ذو الفقار" وعلى درعه " ذات الفضول "، فلا مانع أن يترك الأب لابنه الفرصة في أن يعامل أغراضه وأملاكه بهذه الطريقة فيسميها بأسماء مناسبة، ويعاملها معاملة العاقل، فإن هذا الأسلوب يقوده إن شاء الله لاستحضار وإدراك الحياة في كل ما حوله، فيتأدب مع كل ذلك. فإن عمل خطأ ذكر بأن الأرض تسمع كلامه وسوف تشهد عليه بأنه أخطأ في يوم كذا وعمل كذا وكذا كما جاء في الحديث المتقدم، فيكون تصوره لهذه الحياة في الجمادات مدعاة لتأدبه وتخلقه بالأخلاق الحسنة خجلاً من إدراكها لقبح عمله.