إن هذا التعليق الذي ذكره سيد قطب رحمه الله من استشعار تلك الحياة في كل شيء مما حولنا، وانشغال الدواب والجماد - على حد سواء - بالتسبيح والتمجيد لله U، إن هذا الاستشعار بهذا الوصف العميق ينبغي أن ينقل إلى قلب الولد، ويستقر فيه، ويعيشه وقتاً من الزمن، مستحضراً ومستشعراً تلك الحياة العجيبة التي تحياها هذه الجمادات، فإنه بهذا الشعور بالأنس والاطمئنان لكل ما حوله فلا يخاف من ذلك شيئاً.
إن الطفل يمكن أن يصدق بهذه الحقائق الكونية خاصة الطفل الصغير، فإن خياله فياض، ولديه قدرة بالغة على التصديق بأكثر من هذا، فإن الخيال يشغل جزءاً كبيراً من نشاطه العقلي، فهو الذي يمتطي العصا ويقول إنها الفرس، وهو الذي يصارع الأسد فيصرعه ويغلبه، وهو الذي يعتقد أنه يمكن أن يطير في الفضاء حيث شاء.
إن هذا الخيال الواسع عند الطفل الصغير يمكن أن يستغل في تثبيت مثل هذه الحقائق الربانية الكونية العظيمة، أما الطفل الكبير الذي ناهز الحلم فالتوجيه المباشر يكفيه. وللأب أن يختار الوسائل، والأساليب المناسبة لإشعار ولده بهذه المعلومات، فيختار أوقات السكون والتأمل، حيث يكون المزاج معتدلاً، والنفس مقبلة على الله، كالأوقات بعد صلاة الفجر، ومع بزوغ الشمس، وعند الخروج للنزهة. يستغل الأب تلك الأوقات المناسبة ليوجه الولد نحو هذا الجلال العظيم مبيناً له أن هذه الجمادات لها إدراكها الخاص تتعبد لله به، كما أنها تعرف الصالحين وتحبهم وتعرف الفاسقين وتبغضهم، فإذا مات المؤمن الصالح بكت عليه السماء والأرض لحبها له لأنه صالح خيِّر، كما أن الأشجار والأحجار تحب الصالحين وتدعو لهم، فهذا رسول الله r ينظر إلى جبل أحد فيقول: ((هذا جبل يحبنا ونحبه))، وتعليقاً على هذا الحديث يقول ابن حجر رحمه الله: ((جبل يحبنا ونحبه قيل هو على الحقيقة، ولا مانع من وقوع مثل ذلك بأن يخلق الله المحبة في بعض الجمادات)).