تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأب يكون لأولاده قدوة في هذا المجال، فإن هذه الآداب يُعود عليها الولد بالمران والقدوة. ويلاحظ الأب نفسه، فلا يَحْسُن أن يصدر عنه ما يخالف هذه السنن - خاصة بعد أن يعرفها الأولاد - فإن مخالفته لها تضر بتصوراتهم، وتترك في نفوسهم خللاً، فإن صدر عنه نسيان في بعض الأوقات، وذكَّره الولد، فلا بأس بأن يعتذر بأنه نسي، ثم يتدارك الأمر.

ولبعض السنن صعوبة في التطبيق، فتحتاج إلى قوة في الاعتقاد، وكمال في اليقين، ومنها حديث الذبابة، الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء)). إن تطبيق مثل هذه السنة، بغمس الذبابة في كوب الشاي، أو الحليب، أو الماء، عند وقوعها فيه ثم الشرب بعد ذلك، يحتاج إلى جهد نفسي كبير، كما أن فعله أمام الأولاد - بعد أن يكونوا قد عرفوا وعلموا أن ذلك من السنة - له أثر بالغ في نفوسهم؛ إذ يعلمون أن صلة المسلم بهذا الدين، وما جاء في الكتاب والسنة صلة قوية، والاعتقاد بهما لا يخالطه شك، كما أن عدم استقذار الذبابة بغمسها في الإناء دليل واضح على صلابة الاعتقاد، وتمام المتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

أما إن كان الأب ممن لا يستطيع أن يقوم بمثل هذا العمل، فيفضل أن لا يعلم أولاده هذه السنة، ولا يشعرهم بها، في بادئ الأمر حتى يكبروا ويعقلوا، ويفهموا أن الناس تتفاوت قدراتهم، وإمكاناتهم، وطبائعهم، فيعذرون والدهم في ذلك.

أما إن كان قد أشعرهم بهذا الحديث، وأفهمهم طريقة التطبيق العملي له، وحدث أن وقعت ذبابة في كأسه، وهو يتناول الشاي مع الأولاد، فإن أفضل حل أن يتشاغل عن كأسه، بعمل ما، أو يسقطه من يده وكأنه سقط خطأ، أو يتخذ من الأساليب المناسبة ما يخرجه من هذا المأزق الحرج الذي ربما سبب إضعاف ثقة الأولاد بأبيهم، خاصة إن وجد بين الأولاد من يمكنه فعل ذلك بكل شجاعة.

بحوث تربية الطفل المسلم · الصفحة ٣٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحوث تربية الطفل المسلمص ٣٢٨