وهذه التوجيهات النبوية وردت في المماليك الذين يعدون من متاع الرجل وأملاكه، حيث يتصرف فيهم بالبيع والشراء كيف يشاء، ويعاشر الإناث منهم معاشرة الأزواج فيطؤهن دون عقد أو خطبة، فإذا كانت التوجيهات النبوية بهذه الصفة في حق هؤلاء المماليك الذين هذا حالهم، فإن خدم اليوم ليسوا كذلك؛ بل هم من الأحرار، وحق الحر أعظم بلا شك من حق المملوك؛ لهذا كان الاعتناء بخدم اليوم، ومعرفة حقوقهم يعد أمراً هاماً.
ولا يعني الاهتمام بهم التباسط معهم ورفع الكلفة؛ بل المقصود رحمتهم، والمحافظة على كرامتهم، ودعوتهم إلى الخير بالقدوة والتوجيه.
والأب المسلم يقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معاملة الخدم ليكون لأولاده قدوة صالحة في ذلك، فهذا أنس بن مالك - رضي الله عنه - يصف معاملة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيقول: ((فخدمته في الحضر والسفر، فوالله ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا، ولا لشيء لم أصنعه: لم لم تصنع هذا هكذا؟)) وهذا لا شك مستوى عال رفيع في أسلوب معاملة الخدم، ومثال عظيم يحتذى له.
كما أن هذه الرحمة بالخدم لا تعني السكوت عن أخطائهم وانحرافات بعضهم فإن صدر عنهم شيء مخل بالأخلاق أو الآداب وعظوا ونبهوا وأخذ على أيديهم، وهذا من مسؤوليات رب الأسرة فلا ينبغي له أن يهمل أو يقصر في ذلك، إذ إن الخدم يعيشون معهم في البيت، وسلوكهم يؤثر سلباً أو إيجاباً على الأولاد، فالخادم غير المؤدب، قبيح الألفاظ يعلم الأولاد سوء الألفاظ، وقبيح القول، كما أن الخادم الحسن السيرة والمؤدب في سلوكه وأقواله يؤثر على الأولاد تأثيراً طيباً. وذلك لأن الخدم عادة يقضون وقتاً طويلاً مع الأولاد، خاصة إن كان الخادم صغيراً في السن.