والأولاد الصغارُ أشدُ تأثراً بالقدوة من الكبار، فهم يجدون في آبائهمُ المثلَ الأعلى، والنبراس الذي يهتدون به، فالأطفال الصغار يعتقدون أن كلَّ ما يفعلُهُ الكبار، ويمارسونه صحيحاً، فهم لا يدركون – في أول الأمر – الصواب من الخطأ، ولا يميزون بين الخير والشر، إنما هم ينظرون بأعين آبائهم، ويحاكونَ طريقَتَهُم في الحياة ؛ ولهذا تجدُ ي الغالب أن الأولادَ الذين لا يصلون: تربوا في بيوتٍ لا تقامُ فيها الصلاة، وكذلك الأولادَ الذين يدخنون، لابد أنهم يقتدون بالمدخنين في البيوت، وهكذا تجدُ أن النشءَ ثمارَ تلك البيوت ، وكما قال تعالى : ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف:58].
إن الخطرَ على النشءِ من فقدان القدوة في البيتِ لا يكمنُ في كونهم ينشأوونَ متلبسينَ ببعضِ الانحرافات الأخلاقية، إنما الخطرُ يحصل إذا كبُرَ هؤلاء الصغار، وعقلوا حقائق الأمور، وعلموا واقع المربين، وأن ما كانوا يسمعونه من عبارات الفضيلة والنصائح، والأمر بحسنِ الخلقِ والبر إنما هي عباراتٌ جوفاء، لا واقع لها ولا تطبيق، فإن هذا الصنفَ من الأطفال – في العادة ينحرفُ انحرافاً شديداً، ويرفضُ المجتمع وتقاليدَهُ وعاداتهِ، وما فيه من خير وشر، ويحاول أن يبحثَ في مجتمعاتِ أخرى عن قدواتٍ، ورموزٍ يقتدي بها في حياته الجديدة.
وقد ثبت أن الأطفال الذين ينشأوون في أسرٍ متناقضةِ القيمِ والأخلاقِ، وتظهر فيها علامات النفاق، ومخالفةُ الأقوالِ والأعمال، يُصبحون – إذا كبروا – من أكثر الناس بعداً عن الالتزام بالآداب والأخلاق الإسلامية، وذلك لعمق الأثر الذي خلَّفه ذلك التناقضُ السلوكي في نفوسهم.