أليست الآيات هي الآيات، والأحاديثُ هي الأحاديث المستعملة في كلا الموقفين، كما أنَّ الكلمات هي الكلمات، والجمل هي الجمل المستعملة.
إنَّ الفرقَ بينهما يكمنُ في واقع المتكلِّم، وفي سلوكِهِ العملي، الذي يُعتبر أعظمَ دليلٍ على صدقِ دعواه، وأبلغ برهانٍ يحمل المقتدين على الإذعان له، والتسليم لمبادئه.
إن مجرد التعبير عن الحق والفضيلة، دون أن يسانده واقعٌ عملي، وممارسةٌ حيةٌ مُشاهدة، لا يؤثر في النشء، ولا يغيِّر من حالهم مهما كانت العباراتُ والكلماتُ متناسقة وموزونة، حتى يكون لها من واقعِ المربينَ الدليلُ والبرهان.
وإن المتأملَ في أسباب انحراف كثير من الشباب، وضياعهم، ووقوعِهم في مهاوي الرذائل والفواحش، وتعاطي المخدرات، والخمور. يجدُ أن أعظم هذه الأسباب، وأخطرها فقدانُ القدوةِ الصالحةِ في الآباء والمربين.
إن التربية بالقدوةِ تُعدُّ من أ هم وسائل التربية، بل هي أهمُ وسائلها على الإطلاق، وذلك لوجود تلك الغريزة الملحةِ في كيان الإنسان، تدفعه نحو التقليد والمحاكاة.
والأولاد الصغارُ أشدُ تأثراً بالقدوة من الكبار، فهم يجدون في آبائهمُ المثلَ الأعلى، والنبراس الذي يهتدون به، فالأطفال الصغار يعتقدون أن كلَّ ما يفعلُهُ الكبار، ويمارسونه صحيحاً، فهم لا يدركون – في أول الأمر – الصواب من الخطأ، ولا يميزون بين الخير والشر، إنما هم ينظرون بأعين آبائهم، ويحاكونَ طريقَتَهُم في الحياة ؛ ولهذا تجدُ ي الغالب أن الأولادَ الذين لا يصلون: تربوا في بيوتٍ لا تقامُ فيها الصلاة، وكذلك الأولادَ الذين يدخنون، لابد أنهم يقتدون بالمدخنين في البيوت، وهكذا تجدُ أن النشءَ ثمارَ تلك البيوت ، وكما قال تعالى : ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف:58].