إن الخطرَ على النشءِ من فقدان القدوة في البيتِ لا يكمنُ في كونهم ينشأوونَ متلبسينَ ببعضِ الانحرافات الأخلاقية، إنما الخطرُ يحصل إذا كبُرَ هؤلاء الصغار، وعقلوا حقائق الأمور، وعلموا واقع المربين، وأن ما كانوا يسمعونه من عبارات الفضيلة والنصائح، والأمر بحسنِ الخلقِ والبر إنما هي عباراتٌ جوفاء، لا واقع لها ولا تطبيق، فإن هذا الصنفَ من الأطفال – في العادة ينحرفُ انحرافاً شديداً، ويرفضُ المجتمع وتقاليدَهُ وعاداتهِ، وما فيه من خير وشر، ويحاول أن يبحثَ في مجتمعاتِ أخرى عن قدواتٍ، ورموزٍ يقتدي بها في حياته الجديدة.
وقد ثبت أن الأطفال الذين ينشأوون في أسرٍ متناقضةِ القيمِ والأخلاقِ، وتظهر فيها علامات النفاق، ومخالفةُ الأقوالِ والأعمال، يُصبحون – إذا كبروا – من أكثر الناس بعداً عن الالتزام بالآداب والأخلاق الإسلامية، وذلك لعمق الأثر الذي خلَّفه ذلك التناقضُ السلوكي في نفوسهم.
وإن الناظرَ في أوضاع المجتمعات الإسلامية اليوم، يجد ا ن عقيدتنا، وأخلاقنا، وقيمنا تكاد تكون في ناحية، وحياتنا العلمية الواقعيةَ في ناحية أخرى، نقيضانِ لا يلتقيان، فكيف ينشأ مع هذا الوضع أطفالٌ صالحون يرون، ويشاهدون المتناقضات في حياة الأمة، إنهم مهما سمعوا من المربين، من عباراتِ الخير والفضيلةِ، والأخلاق الحميدة، فإنهم لن يحملوا في داخل نفوسهم سوى الصورة التي يرونها أمامهم، من أنواع وأنماط السلوك، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشر.
وقد أدرك السلف رضوان الله عليهم هذه المعاني الخطيرة، فهذا عمرو بن عتبة، ينصحُ معلمَ ولدهِ فيقولُ له: ((ليكن أول إصلاحِكَ لولدي إصلاحَكَ لنفسك، فإن عيونهم معقودةٌ بعينك، فالحسنُ عندهم ما صنعت، والقبيحُ عندهم ما تركت))، فهم لا يتأثرون بالنصوص بقدر ما يتأثرون بالسلوك العلمي الواقعي.