ومما جاء في السنة من تعظيم حق الوالد أن مال الولد لأبيه، وأن للأب أن يأكل منه، قال عليه الصلاة والسلام: ((إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم" وقال لمن شكا أباه: ((أنت ومالك لأبيك))، ففي الحديث دليل على أن للوالد الحق في أن يأخذه من ماله فهو من كسبه، وهذا جائز حتى وإن كان الأب غير محتاج إلى المال، على أن يراعى عدم مضرة الولد بأخذ بعض المال، وأن لا يأخذه فيعطيه غيره من الناس، كما أنه لا حد على الوالد لولده مطلقاً لعظم حق الأب ومنزلته، فإن سرق مال ولده لم تقطع يده، وإن كان للولد على أبيه دين لم يطالبه به، وإن قذف الأب ولده لا يُحد ولا يُجلد، ولو أن الوالد قتل ابنه فإنه لا يقتل به. أما لو حدث العكس فقتل الابن والده قتل الولد حدًا لعظم حق الأب ومكانته، وهذا الفقه مبني على قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يقاد مملوك من مالكه ولا ولد من والده)).
ومما سبق يتضح عظم حق الوالدين، ومنزلتهما في الشريعة الإسلامية، وأنهما غير متهمين في أولادهما، فمهما فعلا مع أولادهما يؤخذ على حسن النية وسلامة الطوية، إذ إن عاطفتهما كفيلة بمنعهما من قصد الإضرار بهم أو إيذائهم؛ فإن قصد إيقاع الضرر بالأولاد لا يمكن أن يحدث إلا عند فساد الفطرة وانحرافها بالكلية.
وهذه القضايا والحقوق لا يمكن أن يفهمها الولد الصغير، ويدرك أبعادها من خلال التوجيه والإرشاد النظري فقط، خاصة إن كان الولد دون سن التمييز، بل إن الإرشاد العملي التطبيقي أمام الولد أكبر تعليم، وأفضل بيان، فالوالد الذي يقبل والده ووالدته في يديهما ورأسيهما أمام نظر الولد، يُعلِّم الولد هذا الفعل ويدربه عليه عملياً. كما أن الظهور أمام الوالدين بمظهر الذل والخضوع لهما، وتنفيذ أمرهما وتوقيرهما، كل هذا يوقع في نفس الولد عظم منزلة الوالدين ومكانتهما.