والصداقة بالنسبة للفتاة الشابة مظهر من مظاهر نموها الاجتماعي الطبيعي، ووسيلتها الحيوية للشعور بالذات المستقلة المتحررة من عالم الطفولة، إلى جانب أنها ضرورية لتأكيد الدور الاجتماعي الطبيعي للفتاة بصفتها أنثى، وذلك من خلال انخراطها في جماعة مماثلة لها في السن، ومتحدة معها في الجنس، فإن التجانس شرط لنجاح الصداقة ودوامها.
ولما كانت جماعة الأقران - لاسيما في سن الشباب - مجالاً اجتماعياً خصباً؛ لإشباع حاجة الفرد النفسية إلى الانتماء، من حيث: المشاركة العاطفية وتبادل الأسرار، وعرض المشكلات ، وحصول شيء من الاستجمام والراحة، فإن هذا الوسط المفعم بالتفاعل يعتبر بالنسبة للفتيات عالمهن الحقيقي ، وميدانهن الاجتماعي الرحب، الذي يحرصن بشدة على بقائه واستمراره، ويخشين انفضاضه، وربما شعرن أحياناً بمنافسته لمجتمع الكبار.
ولما كانت حاجة الفتيات ملحة للقبول في وسطهن الجماعي الخاص، فإنهن - كما يبدو - أكثر انصياعاً لضغوط الجماعة من الذكور، وأكثر انفتاحاً على الزميلات، فقد تتشتَّت هوية إحداهن ، وتنازعها الاتجاهات والأدوار الاجتماعية المختلفة، بين إرضاء أوليائها، والظهور أمام أسرتها بالمظهر اللائق، وبين إرضاء الزميلات في الجماعة، خاصة وأن الفتيات يبدأن صداقاتهن في وقت مبكر عن الفتيان، فتتعمَّق العلاقات بينهن وتكبر، إلى جانب أنهن يمارسن علاقتهن عادة في مجموعات صغيرة: تبعث الولاء بينهن وتزيده عمقاً أكثر مما تُحدثه المجموعات الكبيرة عند الذكور، فهن في العموم أقل في صلاتهن الاجتماعية، وأكثر دقَّة في اختيار الصديقات من الذكور؛ ولهذا تتضمن صداقتهن ساحة واسعة من الخبرات والأحاسيس والمشاعر المشتركة، حتى إنهن يشارك بعضهن بعضاً العواطف، والانفعالات بصورة كبيرة وعميقة، فقد يتأثرن تلقائياً في موقف مثير من خلال سلوك بعضهن الانفعالي أكثر من تأثرهن بذات الموقف.