تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كانت سُنة الله تعالى في خلقه جارية، وإرادته نافذة: دبَّ في الأمة المسلمة داء الأمم من قبلها حين طال عليها الأمد، فإذا بالغفلة تستحكم فيها بعد اليقظة، وإذا بالعجز ينتابها بعد العزيمة، وإذا بحب الدنيا يمتلك القلوب، ويحكم السلوك، فأخذت الأمة تتردَّى في دركات من الانحطاط العام، ويختل توازنها في الأزمات، وتنهزم أمام الأعداء، في مواقف متتابعة، وصور متلاحقة من الإخفاقات والهزائم الحضارية على جميع الأصعدة الواقعية: الفكرية، والنفسية، والمادية. فذاقت الأمة بمجموعها - شعوباً وأفراداً - ويلات التمزق، وقسوة الأعداء، وجور السلطان، وعادت على بدء تحاكي أيام الجاهلية الأولى، ومسالكها الجائرة، ومواقفها الظالمة، فكثر الخبث في بلاد المسلمين، وعمَّ الفساد فيها، وكثرت المظالم على جميع المستويات.

ولما كانت طبيعة المجتمعات الإنسانية حين تتردَّى فيها المعاني الإيمانية، وتختل فيها القيم الأخلاقية: تنحط أول ما تنحط بثقلها على فئات المجتمع الضعيفة، التي تضعف مقاومتها للظلم، وتعجز أمام قوى الطغيان، ولهذا يعاني غالب المساكين والفقراء والنساء والأطفال أكثر من غيرهم في مجتمعات الظلم والاستبداد، فلا يجدون من فئات المجتمع المتسلطة، وأفراده المتنفذين من يدفع عنهم الظلم، أو يرد إليهم الحق.

والناظر في غالب المجتمعات المعاصرة يجد هذه الفئات المستضعفة تعاني ضغط المجتمع، واستبداد الأنظمة في صور من السحق والاستغلال والإجحاف بحقوق الضعفاء. ففي المجتمعات الفقيرة يعاني المستضعفون ضيق العيش، وكثرة الأمراض، والجهل. وفي المجتمعات المتقدمة يعاني المستضعفون استغلال الشركات الكبرى، والإضلال العقائدي، والمسخ الإنساني.

بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٨٧