هذه المواقف من السيرة النبوية تدل على أهمية السلوك الآدبي للمسلم عموماً، وضرورته الملحة في حق الفتاة المسلمة، وأنها ما دامت متأدبة بأدب الشرع في سلوكها فهي على خير كثير، حتى وإن كانت ناقصة الجمال، "فالأدب للمرأة يُغني عن الجمال، ولكن الجمال لا يغني عن الأدب، لأنه عرض زائل"، وقد قيل في الحكمة: "لا شرف مع سوء الأدب" وقالت هند بنت المهلب زوجة الحجاج بن يوسف لما ذُكر عندها جمال المرأة: "ما تحلين النساء بحلية أحسن عليهن من لب ظاهر، تحته أدب كامل"، وهذا – في الحقيقة – أعلى درجات الكمال النِّسوي، بحيث تجمع المرأة بين سلامة الظاهر بحسن الخلْقة، وجمال الباطن بحسن الأدب، فتملك يدها عن ردئ الفعل، ولسانها عن قبيح القول من البذاءة، والطعن، واللعن، فلا يصدر عنها الكلام إلا بالتثبت والتأمل، وحتى الضحك فإنها تقلل منه؛ لأنه ينافي كمال الأدب ويضر بالقلب ، فقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(لا تكثروا الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب), والفتاة العاقلة تسعى في سلوكها الأدبي أن تحذو حذو الصالحات من نساء السلف، وتتأدب بآدابهن وتنهج على طريقتهن.
ولا شك أن التزام الأدب في السلوك ،وأخذ النفس بالتأديب والتهذيب فيه نوع من المشقَّة، إلا أنها مشقة معتادة، ومألوفة في ميدان التربية، وقد تكون في حق الفتاة التي كَمُلَ بناؤها الجسمي والعقلي: أقل مشقة؛ وذلك لتوجه طبعها بالفطرة في هذه السن نحو مسلك الأدب، فتحلو ألفاظها، ويعذُب كلامها، ويحدث عندها شيء من الدَّلال، فلو تعاضدت التربية بأسالبيها المختلفة مع هذه الذخيرة الفطرية الطبيعية في كيان الفتاة: سَهُلَ – إلى حد كبير – تهذيب الفتيات، وإلزامهن بأدب السلوك، في أنفسهن، وفي تعاملهن الاجتماعي.
15ـ تشرب الفتاة بخلق الرحمة