تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع ذلك فإن الولايات العامة تكاليف وواجبات، وفروض كفائية لا تتعلق" بحقوق وامتيازات تحرم منها المرأة، وإنما المنع هنا في أساسه رحمة بها، وإعفاء لها من المسؤولية التي قد لا تقوى عليها بحكم طبيعتها" الفطرية وما جبلت عليه، فإبعاد المرأة عن الشهادات في الحدود والجنايات – مع مراعاة طبيعة النسيان عندهن في مثل هذه المواقف الشرعية الخطيرة– يعتبر تكريماً لها من جهة أن هذه الأعمال ليست ميزات تتمتع بها؛ بل هي تكاليف ومشاق وعناء لما فيها من الطعن في العدالة، والجلد حال كون الشهادة في الزنا– مثلاً– غير مستوفاة الشروط الشرعية، فإقصاء المرأة عن مثل هذه المواقف تكريم لها. كما أن الفروض العينية التي كلفها بها الشارع الحكيم لا تقل أهمية عن فروض الكفاية التي تتطلع إليها؛ فإن فيها من حجم التكاليف والمهام ما يُغنيها عن التطلع إلى المزيد؛ بل إن الشارع الحكيم يمنع هذه المناصب من سألها وحرص عليها، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "إنا لا نولِّي هذا من سأله، ولا من حرص عليه"، "ووجه الدلالة بهذا الحديث الشريف أنه لو كان تولي الوظائف العامة حقاً للمسلم بمعنى إلزام الدولة بإجابته إذا طلبه: لما كان طلبه سبباً لمنعه منه؛ لأن الحقوق لا تسقط بالمطالبة بل تتأكد"، وهذا يدل على أن هذه المناصب تكاليف ومشاق وليست مواقع حقوق واستمتاع يطالب بها الناس، ثم إن الشارع الحكيم حين يقدم للولايات أناساً ويؤخر آخرين إنما يصنع ذلك للمصلحة، فيقدم لكل نوع من الولايات من هو أقوم بمصالحها، "وربَّ كامل في ولاية ناقص في أخرى كالنساء ناقصات في الحروب كاملات في الحضانة". ولهذا ألزم بعض العلماء الإمام أن يعزل القاضي إذا وجد من هو أولى منه بالقضاء؛ حتى لا يفوِّت على المسلمين مصلحة. فهل مرَّ على التاريخ الإسلامي بل وحتى التاريخ البشري أن كانت هناك امرأة هي أولى بولاية عامة من سائر رجال عصرها؟.

بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٦٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٦٥٢