ثم إن فقهاء الأحناف– ممن قال منهم بهذا القول– حصروه في القضاء دون غيره من الولايات العامة، بشرط أن تقضي المرأة فيما يجوز لها أن تشهد فيه، وليس هو عموم القضاء، ثم إنهم مع ذلك لا يتعدون بهذه المسألة الناحية النظرية التي يناقشها الفقيه دون أن يكون لها واقع تطبيقي؛ فقد نصُّوا صراحة بأنه لا ينبغي للمرأة أن تتولى القضاء، حتى في المسائل التي يجوز فيها قضاؤها، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك: حتى إنهم لم يُلزموا الفتاة المخدرة – حتى وإن لم تكن بالغة– الحضور إلى مجلس القاضي في خصومة لها، بل يرون أن القاضي هو الذي يذهب إليها، أو يبعث من يثق فيه ليسمع أقوالها، والأحناف من أشد الفقهاء في مسألة خروج المرأة إلى صلاة الجماعة، حيث يحصرون الخروج في الكبيرات، وفي المساء دون النهار، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يسمحون لها بعد ذلك أن تترأس الناس في مجلس إدارة أو وزارة أو قضاء، مما يدل في الجملة على أن مسألة تولي المرأة للقضاء لا تعدو الناحية النظرية التي يناقشها الفقيه، دون أن يكون لها واقع في الحياة، وهذا كثير في كتب الفقه؛ خاصة أنه لم يثبت أن تولَّت امرأة قطُّ في التاريخ الإسلامي مهام القضاء، فكان ذلك إجماعاً، رغم أن غالبية من تولى منصب قاضي القضاة في الدول الإسلامية المتعاقبة من الأحناف، فلم يثبت أنهم عيَّنوا امرأة قط؛ بل إن من يُجيز منهم إنفاذ قضاء المرأة فيما يجوز شهادتها فيه: يُلحقها ويُلحق من ولاها الإثم. ومازال باب القضاء حتى اليوم موصوداً في طريق النساء حتى في بعض الدول الأجنبية، ولم يُسجَّل دخول بعض النساء القضاء في أوروبا وأمريكا إلا في الثمانينات من القرن العشرين. وليس من علَّة لمنع المرأة من هذه المناصب سوى الأنوثة، وفي هذا يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لو كانت امرأة تكون خليفة لكانت عائشة خليفة".
بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٦٥١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٦٥١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي