وأما تولي المرأة شيئاً من الولايات العامة فيما دون الولاية العظمى كالوزارة والقضاء وإدارة الأمصار ونحوها من الولايات: فإن المتفق عليه عند العلماء قصرها أيضاً على فضلاء الرجال؛ لأن هذه الولايات من جهة الكمال تلحق بمقام الخليفة؛ إذ لا يقوم عليها إلا أكمل الرجال بعد الإمام ، فلئن كان أعوانه دونه في الفضل والعلم والرأي: فإنهم – بالضرورة– أكمل الناس بعده، وهم مع ذلك نوَّابه وخُلفاؤه على الإمامة من بعده. ثم إن الله عز وجل لم يجعل للمرأة– مهما كانت – سلطة تقوم بها على زوجها في البيت، فكيف تصح سلطتها عليه وعلى غيره في الحياة العامة ؟ كما أنه لا يصح منها أن تكون أحد الحكمين اللذين يدخلان بين المرأة وزوجها عند الشقاق، ولا يصح منها أن تنفرد بالشهادة دون أن تعضدها امرأة أخرى، حتى في القضايا التي لا يطلع عليها غير النساء كما هو عند بعض الفقهاء، في الوقت الذي يقبل فيه بعضهم شهادة الأعمى. فكيف يصح منها ما هو فوق ذلك من مهام السياسة والإدارة والقضاء ؟.
وأما ما يُنقل عن بعض العلماء من الأحناف والظاهرية، وبعض الباحثين المتأخرين: من جواز تولية المرأة العاقلة شيئاً من الولايات العامة والقضاء: فإن هذا القول لا يعدو حدَّ الشذوذ الذي لا تنفك عنه كثير من مسائل الفقه، فمسائل الإجماع في الفقه الإسلامي لا تكاد تخلو من أقوال شاذة تعارضها، إلا أنها لا تقوم لها، ولا تضر الإجماع في شيء. ومن جهة أخرى لا تُسوِّغ هذه الأقوال الشاذة لأحد – خاصة من أهل العلم – التقليد فيما تبين له خطؤه، فليس كل من قال قولاً تُوبع عليه؛ إذ الحق هو المُعتبر دون الرجال، ونبش كتب التراث على نوادر الفقهاء، وغرائب أقوالهم مسلك مذموم في الشريعة، يأباه طالب الحق المتجرد عن الهوى، قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: "من حمل شواذ العلماء حمل شراً كثيراً".