تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رغم وضوح هذا التوجه السياسي نحو حصر الشورى في الكمَّل من الرجال في الزمن الأول يريد بعضهم: أن يحملوا المرأة المسلمة المعاصرة– أياً كانت – العبء السياسي بكامله كما يتحمله أهل الحل والعقد من صفوة الأمة معتمدين في ذلك على موقف وحوادث تاريخية وفردية.

إن مما ينبغي أن يُعلم أن حوادث التاريخ الفردية، وما حفَّ بها من ظروف سياسية واجتماعية واجتهادية: لا تصلح أن تكون ديناً يتعبَّد به الناس، أو نهجاً عاماً يُقيمون عليه حياتهم، ويتركون ما بين أيديهم من دلالات النصوص الواضحة، والمواقف الجماعية المتواترة، والشواهد الحسيِّة الثابتة: إلى مواقف فردية، وحوادث عينية لا تنهض بشيء عند التمحيص والمذاكرة. فهذه الاستشارات والآراء النسوية المتفرقة التي سجلها التاريخ الإسلامي – على فرض صحتها في الجملة – فإنها لا تتجاوز الممارسة الاجتماعية العفوية، التي لا ترقى لمستوى الشورى السياسية الملْزمة أو المعْلمة، ولا تصل إلى الحد المراد منها في تمكين النساء المعاصرات من المجالس النيابية والترشيح والانتخاب. كما أن أعظم مشورة على الإطلاق أدلت بها امرأة في ذلك الجيل الفريد كانت من أم سلمة رضي الله عنها يوم الحديبية حين أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بمشورتها، ومع ذلك لم يُبْنَ عليها مهم في الأمة، ولم يتوقف امتثال الصحابة لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - على مشورتها رضي الله عنها فهم أطوع خلق الله تعالى له؛ وما حصل منهم بعد مشورتها لابد حاصل في نهاية الأمر، وإنما كان أثر مشورتها الفعلي في قطع أملهم من إمكانية تغيير اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسألة حين رأوه يحلق رأسه. في حين لو قوبلت هذه المشورة– على جلالتها– مع مشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق يوم الأحزاب: فإن الفارق يصبح في غاية الوضوح بين أعظم مشورة يمكن أن تقدمها امرأة في ذلك الزمن الفريد وبين مشورة صحابي جليل من عامة الصحابة،

بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٦٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٦٤٦