تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يدل على عظيم ندمها، وفرط ألمها على مسيرها هذا: أنها لم تعد ترى نفسها أهلاً لأن تُدفن في بيتها بجوار الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه، فقد كانت تحدِّث نفسها بذلك، فلما حصلت هذه الفتنة قالت: "إني أحدثت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثاً، ادفنوني مع أزواجه، فدفنت بالبقيع"، ولاشك أن الحدث الذي تقصد هو مسيرها يوم معركة الجمل. ولما حضرتها الوفاة جزعت، فقيل لها: "أتجزعين يا أم المؤمنين وأنت زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأم المؤمنين، وابنة أبي بكر الصديق ؟ فقالت: إن يوم الجمل معترض في حلقي ليتني متُّ قبله، أو كنت نسياً منسياً". بل وحتى إنكارها على عثمان رضي الله عنه في بعض اجتهاداته ندمت عليه لكونها ربما كانت سبباً في الجرأة على الخليفة، حتى قالت: " والله لوددت أني عشت برْصاء في الدنيا سائماً وأني لم أذكر عثمان بكلمة واحدة". وإلى هذا الحد انقطع طريق الإناث عن العمل السياسي، وأصبح الدرس واضحاً في كون السياسة مجالاً لإخفاق الإناث، خاصة وأن التجربة كانت على يد امرأة لا يُعرف لها في طبقات النساء مثيل في العلم، والذكاء، والفهم، وقد حفَّتها ظروف التفوق والإبداع من كل مكان، ورغم ذلك استعصت عليها الطبيعة السياسية بسبب الأنوثة فقط دون أي سبب آخر؛ ولهذا قيل: " لو كان لأبيها ذكر مثلُها لما خرج الأمر منه"، يعني أمر الخلافة، فقد كانت رضي الله عنها مقبولة الرأي عند عامة الناس، حتى قال معاوية رضي الله عنه في حقها: " إن من الناس من لا يُرَدُّ عليه أمره، وإن عائشة رضي الله عنها منهم". وبالرغم من كل هذا الوضوح في موقفها رضي الله عنها إلا أن فئات من الناس لاتزال تصرُّ على أن موقف السيدة عائشة رضي الله عنها في الفتنة موقف صحيح، وهي في موقفها هذا قدوة للنساء المسلمات.

بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٦٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٦٣٥