ولعل في تجربة السيدة عائشة – رضي الله عنها– السياسية في الزمن الأول ما يُجلي الحكمة الإسلامية في قصْر حركة النشاط السياسي على الأفذاذ من الرجال، فرغم قسوة التجربة في موقعة "الجمل" وما آلت إليه أحوال الأمة السياسية بعدها: فقد كانت أحداث التجربة في غاية الشدة على نفس السيدة عائشة رضي الله عنها، ليس ذلك من جهة مبدأ الإصلاح السياسي فإن هذا أمر محمود، ولكن من جهة بروزها الشخصي للميدان السياسي العام: فرغم أنها كانت مجتهدة مأجورة إلا أن ندمها على خروجها كان في غاية الشدة، ويكفيها في ذلك أنها كانت سبباً في أول اصطدام مسلح بين المسلمين، وقد كانت الحجة عليها ممن خالفها : إلزامها بيتها، وأن الأمر لا يقوم بالنساء، وأما حجتهم على من خرج بها كونهم خرجوا بها دون نسائهم، حتى قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "… أخرجتم أمكم عائشة وتركتم نساءكم". وقال لطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: " يا طلحة أتيت بعرْس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقاتل بها، وخبَّأت عرسك في البيت". مما يدل على أن المسألة متعلقة بالسيدة عائشة خاصة دون غيرها من النساء لكمال علمها وفضلها، وليس لكون الذين خرجوا بها يرون جواز بروز المرأة للعمل السياسي، فلو كان الأمر كذلك لخرجوا بنسائهم يستكثرون بهن. خاصة وأن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهن لم يخرج منهن غير عائشة، وحتى أم سلمة الظعينة المهاجرة صاحبة الرأي السديد يوم الحديبية لم تخرج، بل كانت أشدهن إنكاراً على عائشة، حتى كتبت إليها تقول: "… قد علمت أن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن انصدع، حُماديات النساء غض البصر، وضم الذيول…فاجعلي حجابك الذي ضرب عليك حصنك، فابغيه منزلاً لك حتى تلقيه، فإن أطوع ما تكونين إذا ما لزمته"، ونُقل عنها أنها قالت لها أيضاً: " وأقسم لو سرت مسيرك هذا ثم قيل لي: يا أم سلمة ادخُلي الفردوس لاستحييت أن ألقى محمداً - صلى
بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٦٣٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٦٣٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي