المعنية بمثل هذه الأمور لم تنقل إنكاراً على عمر في هذه المسألة، مما يدل على أن الخبر لا يصح عنه، كما صرح بذلك ابن العربي والقرطبي وغيرهما، وإذا أصرَّ المخالف بثبوت الحادثة دون نكير كانت إجماعاً، وإجماع الصحابة من الحجج القاطعة، والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف خفي هذا الإجماع على الأمة من بعد عهد عمر، فلم يُنقل، بل كيف يسوغ للعلماء من بعد هذا الإجماع الخلاف في مسألة تولية المرأة شيئاً من الشؤون العامة. والذي يظهر أن هذه المرأة التي يدور عنها الحديث هي الشفاء رضي الله عنها وهي من المهاجرات الأول، وكانت تسكن في السوق، ومن هنا جاءت شبهة توليها السوق، "وكان عمر إذا دخل السوق دخل عليها"، فهي حين تنقل شيئاً لعمر فإنما تنقله من واقع حياتها في باطن السوق، فلا يُسمى مثل هذا ولاية، وإنما هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهذا لا يختص بالجنس. ولو صحَّ كون عمر رضي الله عنه يرى جواز تولية النساء شيئاً من الشؤون السياسية لكانت السيدة عائشة رضي الله عنها أولى النساء بذلك، فهي في زمنه أعلمهن وأفضلهن على الإطلاق من كل وجه دون منازع، حتى قال عنها علي رضي الله عنه: "لو كانت امرأة تكون خليفة لكانت عائشة خليفة"، ورغم ذلك لم يكن لها في الشؤون السياسية أيُّ ولاية إدارية أو إشرافية على الناس، وليس ذلك إلا بسبب الأنوثة. فإذا صحَّ للأمة أن تستغني عن خدمات السيدة عائشة السياسية، فأيُّ امرأة بعدها يمكن أن تحتاج إليها الأمة في شؤونها السياسية ؟. وأما ما يزعمه بعضهم من أنها رضي الله عنها كانت موضع استشارة للخلفاء في كثير من شؤون الدولة، فهذا إدعاء لا يستند إلى دليل، فهذه كتب السيرة والتاريخ ليس فيها شيء من هذه الاستشارات السياسية.
بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٦٢٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٦٢٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي