إن هذه النظرة السياسية من خلال الضابط الأنثوي بأبعادها المختلفة هي المحور الأساس في التربية السياسية للفتاة المسلمة المعاصرة مع دخولها سن التكليف، بحيث تُنزَّل هذه المفاهيم السياسية في نماذج تربوية من خلال: الأسرة، والمنهج التعليمي، والنشاط المدرسي، ووسائل الإعلام ونحوها، بحيث يتخذ من تجربة السيدة عائشة رضي الله عنها– فيما استقر عليه مذهبها– النموذج السياسي الأمثل للمرأة المسلمة المعاصرة، من جهة انعزالها الكامل بعد موقعة الجمل عن الميدان السياسي العام، وعودتها إلى منهج الاحتساب السياسي الذي كانت عليه قبل الموقعة من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعظ والإرشاد، وبيان وجه الحق، وتتبع الأخبار والوقائع وتحليلها، والكتابة في ذلك، دون أن يكون لها في كل ذلك أيُّ بروز سياسي عام – تماماً– كحال أم سلمة رضي الله عنها والتابعية عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد رحمها الله، بحيث تنطلق المرأة في هذا من واجب الاهتمام بأمر المسلمين، ومعرفة أحوالهم وليس من باب الاستمتاع بالحق السياسي. وليكن موقف المرأة المسلمة المعاصرة من البروز السياسي العام كموقف أم جعفر زبيدة (ت216هـ) بنت جعفر المنصور زوج الرشيد لما قُتل ولدها أمير المؤمنين الأمين بن الرشيد، حين دخل عليها بعض خدمها فقال لها: "ما يُجلسك وقد قُتل أمير المؤمنين ؟ فقالت: ويلك وما أصنع ؟ قال: تخرجين وتأخذين بدمه كما خرجت عائشة تطلب دم عثمان، فقالت: إخسأ لا أم لك وما للنساء وطلب الدماء". ففهمت رحمها الله أن السيدة عائشة رضي الله عنها ليست قدوة تتبع في هذا الموقف، ولاسيما أنها قد ندمت عليه، وأن خروجها يوم الجمل لطلب دم عثمان رضي الله عنه لم يزد المشكلة إلا تعقيداً، فلم يتحقق المقصود من الخروج لتشخيص قتلة عثمان رضي الله عنه، فضلاً عن إقامة الحد عليهم، في حين أنها لما علمت بغضب زوجها الرشيد على الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت189هـ) تلميذ
بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٦١٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٦١٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي