وعند مراجعة تاريخ المرأة المسلمة السياسي في جميع أطواره يجده الباحث مفعماً بآثار الإيمان، والروح المعنوية العالية، والعطاء الثري رغم بعدها الكامل عن مواقع الإدارة السياسية في الولايات العامة ومجالس الشورى أو الشُّرَط ونحوها من ميادين البروز الميداني. فالسلطة السياسية في طورها الإيماني المستقيم لاقت من المرأة المسلمة كل صور الفداء، والثبات، والدعم المادي والمعنوي، في أعلى صور الأمر بالمعروف. فلم تكن إحداهن تتردد في دعم السلطة بنفسها، أو مالها، أو ولدها، أو زوجها. مع كمال الامتثال لطاعة ولي الأمر ظاهراً وباطناً في غير معصية.
وأما طور الانحراف السياسي فقد شاركت المرأة المسلمة في دفعه بالاحتساب على السلطة ابتداء من تنبيه الحاكم على أخطائه في بعض المسائل العلمية، ووعظه بما يجب عليه، ومن ثمَّ الإنكار عليه والإغلاظ له في القول في غير خوف أو تردد. بل إن التاريخ الإسلامي سجل لبعضهن مساعيهن الجادة في خلع بعض الظلمة والمرتدين، في صور من الكيد الإيجابي لصالح الدين. ومازال عطاؤهن الإيجابي– أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر– مستمراً في كل عصر، حتى إنهن في أشد فترات الزمان ظلمة واضطهاداً، لم يتوقَّفن عن الدعوة إلى الله تعالى، ودعم التوجه الإسلامي، في مواقف من العطاء يعجب من مثلها التاريخ.
إن هذه النماذج من المواقف السياسية الإيجابية هي ميدان التنافس السياسي الصائب للمرأة المسلمة في كل عصر، وليس هو مجرد البروز الاجتماعي في أروقة البرلمانات، أو مناصب الولايات، أو منازعة أهل الحل والعقد سلطانهم. خاصة في هذا الزمن الذي أدركت فيه فئات كثيرة من النساء الغربيات زيف العمل السياسي، وأصبح واضحاً عند الكثير: أن الحرية السياسية المزعومة لا تعدو أن تكون فكرة خادعة بلا حقيقة يتلقَّفها صغار العقول، وأن العمل السياسي في هذا العصر– كثيراً ما يكون– صورة من صور الانسلاخ الأخلاقي في ظل الأنظمة الجاهلية.