والعجب في شأن سلطان الفطرة الأنثوية: أن إحداهن تكون في بؤرة العمل السياسي ضمن صراعه البرلماني، وعطائه الصحفي فإذا بها– مختارة راضية– تنحاز برلمانياً نحو لجان الخدمة الاجتماعية والتربوية، وتندفع صحفياً نحو صفحات الأزياء والزينة النسائية، تاركة وراءها عراك السياسة الميدانية مرة أخرى للرجل. وكأن قضية الممارسة السياسية أقوى بكثير من مجرَّد التحدي الأنثوي، وأعمق بمراحل من مجرَّد المعالجة السطحية التي تروم تغيير الفطرة، وتبديل حقائق الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:30]، فالمسألة السياسية من هذه الجهة الميدانية تتعارض مع الأنوثة، وتتنافر معها.
ولئن كان الضابط الأنثوي يمنع المرأة من مطلق المشاركة السياسية الميدانية، فإن الواجب التكليفي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يفتح لها باباً ضخماً للمشاركة الإصلاحية والاحتساب السياسي رغبة في الأجر، ضمن حدود استطاعتها، وفي إطار الضوابط الشرعية والأخلاقية العامة؛ فإن هذا المبدأ الإسلامي لا يتعلق بالجنس، بل يصح من كل مسلم عارف قادر، فإن كلَّ فرد بالغ في المجتمع مُخاطب بأن يكون عضواً اجتماعياً صالحاً في نفسه، ومُصلحاً لغيره. وممارسة الإناث لهذا المبدأ علامة بارزة على صلاح الدين، وقد سجل التاريخ لبعضهن مواقف إيجابية مشرقة في ميدان الإصلاح الاجتماعي في غير ريبة سلوكية أو مذمة خلقية. وإنما المنع الوارد في حق الأنثى أن تُسند إليها ولاية الاحتساب العامة، في حين يصح أن تُسند إليها مهمة الاحتساب الخاصة على جنس الإناث في مواقعهن المستقلة.