وهذا الدعم المطلوب للقطاع الزراعي في البلاد الإسلامية النامية ليس قضية اختيار اقتصادي خاضع للرد أو القبول، إنما هو شرط ضروري للتنمية الشاملة التي تقوم قواعدها -قبل كل شيء- على أسس متينة من النهضة الزراعية؛ فإن التفوق الزراعي يسبق عادة التقدم الصناعي؛ فعالم الغرب -في نهضته الحديثة- كرَّس أعظم جهوده في التنمية الزراعية؛ لتكون قاعدة صلبة لتقدمه الصناعي، حتى إن الولايات المتحدة الأمريكية في بداية القرن العشرين الميلادي استغلت (90%) من القوى العاملة -ذكوراً وإناثاً- في مشاريع التنمية الزراعية، وما زالت دول الغرب واليابان وكوريا حتى اليوم تهتم بالزراعة وتنميتها لتبقى مصدراً للثروة المالية والهيمنة الاقتصادية، تسبق وترافق النهضة الصناعية الحديثة لهذه الدول وتؤسس لها، وكأن الثروة الزراعية هي الأساس في صلاح الدنيا وعمارتها، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقل في أمر من الأمور: "أنتم أعلم بأمر دنياكم": إلا في شأن الزراعة، فهي من أهم أمر صلاح الدنيا.
وعلى الرغم من التوجه المفرط نحو الصناعة الذي يتبناه بعضهم، مع الاعتقاد بعدم جدوى القطاع الزراعي في النهوض بالأمة الإسلامية اقتصادياً، فإن التوجه نحو التصنيع في الدول الإسلامية لا يقلل "من أهمية الزراعة كأساس لاقتصادها القومي؛ بل إن أهميتها تتزايد باستمرار تبعاً لتزايد السكان وتزايد الطلب على الغذاء وعلى كثير من المحاصيل الزراعية، وحتى مع التسليم بأهمية التطور الصناعي، وضرورته للبلاد الإسلامية، فإن من الواجب ألا يكون هذا التطور على حساب التنمية الزراعية، بل يجب أن يسير الاثنان جنباً إلى جنب".