تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد مرَّ على الصناعات المنزلية في أوروبا وبعض بلاد الشرق الأقصى فترة سادت فيها الحرف العائلية، والإنتاج الأسري قبل ظهور الآلة الأوتوماتيكية وتطورها، فقد كانت منتجات الصناعات المنزلية تعمُّ الدنيا وفرة، وتفرض نفسها جودة، حتى إنه لم توجد صناعة من الصناعات -حتى الثقيلة منها والكبرى- إلا كان للمنزل والمرأة دور في إنتاجها بصورة كلية أو جزئية؛ بل حتى بعد ظهور التجمعات الصناعية في أوروبا -في أول الأمر- فقد بقي للأسرة المنتجة دورها التنافسي مع هذه التجمعات تارة، والتعاوني تارة أخرى، حتى برز دور الآلة في السرعة والإتقان، وقلَّة التكاليف المالية، وعدم الحاجة إلى الخبرة العمالية الكبيرة، وظهر معها أرباب العمل من دهاة الاقتصاد، من الإقطاعيين القدماء والرأسماليين الجدد، الذين سيطروا على وسائل الإنتاج من خلال إحكام تجارة السوق، ومصادر المواد الخام، إضافة إلى امتلاكهم الآلة المتطورة، ففرضوا على صُنَّاع المنازل -كلَّ قادر منهم- أن يعملوا تحت أيديهم كأجراء، ضمن تجمعات صناعية كبيرة بعيدة عن المنازل، تجمع أخلاطاً من الناس: ذكوراً وإناثاً، وكباراً وصغاراً، ليس بينهم رابطة اجتماعية سوى العمل، فرغم ما حققته هذه النقلة الصناعية الحديثة -من المنزل إلى المصنع ومن اليد إلى الآلة- فقد خسرت في الجانب الإنساني أضعاف ما ربحته في الجانب المادي؛ حيث أضعفت من دور المنزل اقتصادياً، وشلَّته تربوياً، وعطَّلت طاقات بشرية كان يمكن أن تسهم في التنمية من خلال البيوت، وكرَّست الجميع لخدمة مصالح فئات قليلة من المحتكرين الاقتصاديين الذين مارسوا في سبيل جمع المال أشد وأبشع أنواع الظلم والخسف بالعمال، مع ما أحدثته الآلة المتطورة من سلب خبرات الصنَّاع، وإرهاقهم نفسياً بالعمل الروتيني السلبي الذي لا يجد فيه الصانع الماهر ثمار خبرته.

بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٥٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٥٨٤