ولعل مما يُعين الفتاة على ذلك علْمها بأن القناعة بالمكانة الاقتصادية ضرورة تربوية لكل أحد غنياً كان أو فقيراً؛ فإن النفس الإنسانية إذا لم تتهذب بآداب الشرع، ولم تترق في درجات الكمال: لا يشبعها شيء من ثروات الدنيا مهما كان عظيماً؛ لأن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، وقد جاء في التوراة: "من قنع شبع"، وما زال الناس بالفطرة يسعون منذ القدم في تلبية حاجاتهم الاقتصادية المختلفة، وإنما الاختلاف بينهم يقع في درجة الإشباع وأسلوبه، وليس في حجم الوفرة الاقتصادية، مما يجعل المشكلة تنحصر في الإنسان ذاته الذي يحتاج دائماً إلى تهذيب وتربية ليرقى إلى درجات القناعة الاقتصادية، فعلى الرغم من أن قلَّة الموارد الاقتصادية تزعج الإنسان، وتثير لديه المشكلات: إلا أن حدَّتها تقل وتضعف بحسب قوة صلته بالله تعالى، وقد أشار كثير من علماء النفس المعاصرين إلى أن السعادة التي يتطلع إليها الفرد إنما تنبع من ذاته، وليست تتأتى من كثرة الأشياء والممتلكات، كما أشارت العديد من الدراسات الحديثة إلى وجود علاقة بين الترف الحضاري وبين التوتر النفسي؛ ولهذا يُلحظ في حال السلف - رضي الله عنهم - الاستقرار النفسي في حال الشدة والرخاء على حد سواء، حتى إن أحدهم قد يتلذذ بالفقر كما يتلذذ الناس اليوم بالغنى.
بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٥٥٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٥٥٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي