وأما الإرث السري فهو من أوسع أبواب أرزاق الفتيات في نظام الاقتصاد الإسلامي؛ حيث يوزع الثروة بصورة دائمة من المورثين إلى من هم دونهم من الذرية والزوجات والعصبات، ورغم المنطقية الاقتصادية في مبدأ توزيع التركة على المستحقين: فإن الجاهلية العربية في وقتها، والجاهلية الأوروبية إلى عهد قريب كانتا جميعاً لا تورثان الإناث بصفتهن عناصر استهلاكية غير منتجة، بل ربما اعتبرن بذواتهن تراثاً مملوكاً قابلاً للتقسيم والاتجار، هذا في الوقت الذي كان ينزل فيه القرآن الكريم بتحديد المواريث، وإقرار حقِّ الإناث فيها بأنصبة محددة، ويهدد -في الوقت نفسه- المخالفين بقوله جلَّ وعلا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء:13-14]، ويقرر أيضاً حتى للمملوكة -فضلاً عن الحرة- حقَّها في ميراث عتيقها.
ولم تكن قضية المواريث مسألة خيالية بعيدة عن التطبيق؛ فقد مارست الأمة المسلمة نظام توزيع المواريث على أهلها عملياً، فقد قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك بنفسه، فهذه امرأة سعد بن الربيع { حين قُتل زوجها وأراد عمُّ بناتها أخذ التركة كاملة قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمَّهما الثمن، وما بقي فهو لك), ولما عزم سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - في مرضه على الصدقة بجُلِّ ماله، مستكثراً على ابنته الوحيدة كل تلك الثروة: منعه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وألزمه بالثلث، والأخبار في ذلك كثيرة.