ويكاد يُجمع رجال التربية على أن الملكات الخلقية – مهما كانت قناعة الإنسان بها – لا تحصل له إلا من خلال اعتياد ممارستها، والمواظبة عليها، وفي هذا المعنى يقول الإمام الماوردي ~ٍٍِِ: "الأدب مكتسب بالتجربة، أو مستحسن بالعادة.. وكل ذلك لا يُنال بتوفيق العقل، ولا بالانقياد للطبع، حتى يُكتسب بالتجربة والمعاناة، ويُستفاد بالدربة والمعاطاة" بمعنى أن الخلق – حتى وإن كان فطرياً – لا بد له من التدريب والتعويد حتى يرسخ، وتتشربه النفس، وفي هذا المعنى أيضاً يؤكِّد الراغب الأصفهاني ~ٍٍِِ فيقول: "كل متعاط لفعل من الأفعال النفسية فإنه يتقوى فيه بالازدياد منه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فباحتمال صغار الأمور يمكن احتمال كبارها، وباحتمال كبارها يستحق الحمد" ومصداق هذا الفهم كوسيلة لترسيخ الخلق في النفس: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(… من يستعفف يُعفه الله، ومن يستغن يُغْنِه الله، ومن يصبر يصبره الله …), يعني أن من تكلَّف هذه الفضائل، وحَرَص عليها، وتعاطاها: حصل له مقصوده من التخلق بها، حتى تصبح جزءاً طبيعياً راسخاً في كيانه وشخصيته.
9ـ ضبط وتوجيه دوافع الفتاة الفطرية
الدوافع: هي الميول أو القوى الداخلية – فسيولوجية كانت أو نفسية- التي تدفع الفرد، وتوجهه نحو إشباع غرائزه، وحاجاته الفطرية، حتى يسير وفقاً لها، بهدف تحقيق درجة الإشباع، والتصور الإسلامي ابتداءً يُقرُّ هذه الميول الفطرية، ومظاهرها الشهوية المختلفة، ولا يُطالب المكلف بإزالتها من جبلَّته؛ لأنه تكليف بما لا يُطاق؛ وإنما يُطالبه بتبعاتها إذا انحرفت إلى ما لا يحل، أو أرسلت بمقدار لا اعتدال فيه: فهنا تكون المؤاخذة والمحاسبة.