وأما جاهلية العصور الوسطى الأوروبية، التي سيطرت عليها ضلالات الكنيسة، فهي لا تعدو أن تكون امتداداً لمظالم اليونان، ونظرتهم الحقيرة إلى الأنثى؛ إذ لم تكن المرأة بعيدة عن ممارسات الظلم والاضطهاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بل حتى الإذلال النفسي، حينما تحمَّل الأنثى أسباب الغواية الأولى، وبلية البشرية وضلالها، ولم ينته ظلم المرأة بعصر النهضة والتنوير؛ فإن القرن التاسع عشر الميلادي يمثل في "الثقافة الأوروبية والأمريكية إحدى الفترات التاريخية التي كانت تعاني فيها المرأة أشد حالات القهر والظلم والاضطهاد"، ولم تكن المرأة في المجتمعات الاشتراكية لتنجو من صور جديدة من الخسف والظلم على أيدي الاشتراكيين، واستغلالهم الاقتصادي.
وأما الجاهلية الحديثة فهي الأخرى لا تعدو أن تكون صورة مكررة من الجاهليات الماضية، تمارس على الفتاة صنوفاً جديدة من الاضطهاد والعسف، والاستغلال الجنسي البشع، والظلم الاجتماعي والاقتصادي، مع الإبقاء على بعض المظاهر الخادعة -التي يقتضيها العصر- من صور التكريم والإجلال في الأندية واللقاءات العامة، وإعلانات حقوق الإنسان في مجامع منظمة الأمم المتحدة، ويكفي العالم المتحضر خزياً أن يشكل النساء (70%) من فقراء العالم.