وقد كان السلف يمتثلون أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فعن محمد بن ربيعة بن الحارث قال: " كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُوسِّعون على نسائهم في اللباس الذي يُصان ويُتجمَّل به، ثم يقول: رأيت على عثمان مِطْرَفَ خزٍ*ثمنَ مائتي درهم، فقال هذا لنائلة كَسَوْتُها إياه، فأنا ألبسُهُ أسرُّها به"،إلا أنَّ الضابط في هذا أن تُستهلك الملابس استخداماً،ولا تصل أنواعها وأشكالها بالمرأة إلى حدِّ التميُّز الاجتماعي والافتضاح؛ فإن ثوب الشهرة مذموم شرعاً، والاستكثار المفرط من ملابس النساء مكروه في حد ذاته خاصة الجميلة منها؛ لأنها كثيراً ما تُرغِّب إليهن الخروج، والبروز، والتبرج، وقد كان عمر رضي الله عنه يقول: " استعينوا على النساء بالعري؛ إن إحداهن إذا كثرت ثيابها وحسنت زينتُها: أعجبها الخروج".
إن زمناً ليس ببعيد كان الثوب الحسن يبقى مع المرأة دهراً طويلاً،حتى إنها ربما ورَّثته بعض بناتها، أو أعارته جاراتها، وربما لم يكن لإحداهن إلا الثوب الواحد تحيض فيه وتطهر. فلم يكن يُعرف - إلى عهد قريب - الإسراف في الملابس حتى ظهر تفنُّن دور الأزياء النسائية في إنتاج الجديد من أنواع الملابس، ففُرض على النساء نظام "الموضة" - بصورة غير مباشرة– بحيث تخضع أنواع الأزياء، وأشكالها المختلفة إلى مواسم خاصة: فصلية وسنوية، تصبح بعدها الأزياء –حتى وإن كانت جديدة– مهملة في نظر المرأة لا قيمة لها، ضمن صور متشابهة متكررة، وحِلَق دائرية مفرغة من التجديد والتطوير، لا نهاية لها إلا مزيداً من هوس الشراء، واستهلاك المال. وقد كان الشواب من النساء ولم يزلن ضمن فتنة الموضة: أكثر فئات المجتمع تأثراً بها، وخضوعاً لمتطلباتها.