ولعل في عادة التدخين -فضلاً عن المحرمات المنتشرة من المآكل والمشارب- ما يدل على هذا المعنى بوضوح، حيث تمارس المجتمعات الإنسانية المعاصرة تجاهه أقبح أنواع التناقض العقلي، وأحط أساليب التخاذل الدولي، ففي الوقت الذي ثبت فيه ضرره الصحي الفادح عند كافة الشعوب المعاصرة، واستقرت حرمته عند علماء الأمة المسلمة بصورة خاصة: ما زالت المجتمعات المعاصرة قاطبة تُقرُّه كسلعة اقتصادية رائجة، وتسمح للأفراد بتعاطيه ضمن حرياتهم الشخصية، مكتفية في مواجهة أضراره الصحية البالغة بإقامة الحجة الهزيلة على متعاطيه بالكتابة الرمزية على منتجاته بأنها ضارة، ثم تسمح -بعد ذلك- لوسائل إعلامها المختلفة بالترويج له كأقوى ما يكون بصورة مباشرة وغير مباشرة، وتُسهِّل لشركات التبغ الوصول به إلى كل أفراد المجتمع حتى الأطفال، في صور متناقضة من التخاذل الاجتماعي الذي يصعب تبريره.
ورغم أن التدخين بأنواعه المختلفة كان إلى عهد قريب عادة ذكورية: فقد أقبل عليه النساء مؤخراً بصورة كبيرة حيث يشكِّلن اليوم ثلث المدخنين، وحتى الفتيات اللاتي يُعتبرن في العموم أقلَّ إقبالاً عليه من الذكور: فقد تورَّط كثير منهن في تعاطيه إلى درجة الإدمان، حتى وصلت أعداد المُدخّنات في أحد البلاد الإسلامية إلى 39% وفي أخرى إلى 50%، وما زالت أعداد المدخنين من الجنسين في تزايد عالمي مستمر، يُنذر بخطر صحي كبير، ففي الوقت الذي تنخفض فيه معدلات التدخين لدى الغرب: تزداد -للأسف- معدلاته في الدول النامية، ولعل ارتباط التدخين عند المرأة بقضايا التحرير، والحقوق، والمساواة: دفعها في الستينات من القرن العشرين إلى التوسع في تعاطي التدخين.
ومع كون الفتيات -بحكم كونهن مكلفات شرعاً، ومسؤولات أمام الله تعالى عن سلامة أبدانهن -يستوين مع الذكور في حرمة التدخين، وتبعة الخطيئة: فإنهن -مع ذلك- ينفردن عنهم بمزيد من الإثم، وتبعة المسؤولية، وذلك لسببين: