السبب الرابع: إخفاق الابتعاث للبلاد الأجنبية في النهوض بالأمة, وإخراجها من أزمتها الحضارية المعاصرة, رغم ما بُذل فيه من الجهود الكبيرة لإنجاحه, فإن مدخلاته الاقتصادية لا تساوي شيئاً يُذكر من مخرجاته العلمية والمعرفية المتوقعة للنهوض بالأمة, فقد أدرك المراقبون في المجتمع المسلم بعد زمن طويل: أن التقنية لا تُستورد من الخارج, وأن الدول الأجنبية لا تُعطي المبتعثين المسلمين الأسرار العلمية التي تمكِّن بلادهم من الاستقلال والازدهار الاقتصادي, وأن الابتعاث في حد ذاته كان مطلباً غربياً, وأداة من أدوات تغريب الشباب المسلم وإضلاله.
ثم إن الابتعاث دليل على قصور الأنظمة التعليمية الوطنية, وعدم كفاءتها لإعداد رجالها, ومما يشير إلى ذلك بوضوح أن نسبة الطلاب العرب الذين يحصلون على شهاداتهم في الدراسات العليا خارج دولهم بلغت عام 1992م (52%), هذا من جهة, ومن جهة أخرى فإن الابتعاث من أعظم أسباب هجرة الأدمغة العربية إلى الدول الأجنبية؛ فالعلاقة موجبة بين حجم الابتعاث للدراسات العليا, وبين حجم هجرة الكفاءات العلمية إلى الخارج؛ فإن نسبة قد تصل في بعض الدول العربية إلى (90%) من طلابها المبتعثين لا يعودون إليها, بل يرتبطون بالدول الأجنبية المتقدمة, وهذا ما يبرر انخفاض نسبة العلماء المتخصصين الذين يعيشون في الدول النامية إلى (10%) فقط, في مقابل تكدسهم في الدول المتقدمة بنسبة (90%).