السبب الأول: إجماع المسلمين على وجوب الهجرة من بلاد المشركين إلى بلاد المسلمين, بناء على النصوص الشرعية الواضحة بتحريم مخالطة الكفار في ديارهم, وفتاوى العلماء على مرِّ العصور الإسلامية, حيث كان هذا التصور واضحاً في أذهان المسلمين إلى عهد قريب, ربما لا يزيد عن مائة عام؛ إذ كانوا يستنكرون هذا النوع من السفر, ويسقطون به عدالة متعاطيه لغير مصلحة شرعية معتبرة, ولما حصل التطور التقني الحديث الذي صاحبه مزيد من الثروة, والاستهلاك, والتعليم, والاتصال, والانتقال: تداخلت الشعوب, وتبادلت كثيراً من المعتقدات, والأفكار, والقيم, والعادات, والأنماط السلوكية, فخفَّت مع هذا الوضع الحضاري المنفتح مشاعر النفرة من الكفار, حتى أصبح غالب المسلمين لا يرون بأساً بالسفر للبلاد الأجنبية لغير مصلحة شرعية معتبرة, حتى إن بعضهم ينصُّ صراحة على ضرورة ابتعاث الفتيات للخارج حتى مع وجود الكفاية بالداخل بحجة اكتساب الخبرة العريقة من الجامعات الأجنبية المتقدمة, كل هذا رغم مناشدة بعض المؤتمرات التربوية, وتوصية المجمع الفقهي بجدة عام 1408هـ, التي تنص على ضرورة وجود "رقابة إسلامية صارمة على الأنشطة السياحية والابتعاث إلى الخارج حتى لا تتسبب في هدم مقومات الشخصية الإسلامية وأخلاقها", ورغم الإفتاء بالمنع من بعض الفضلاء المعاصرين, ووضوح القواعد الفقهية التي تتعارض صراحة مع مثل هذا التَّوجُّه الموغل في الانفلات العقدي والأخلاقي في سبيل معارف لا ترقى بحال إلى درجة الوجوب على الإناث, فتهدر من أجلها كرامتهن وأخلاقهن؛ فإن بعض القواعد الفقهية تنص على أن: "الضرر لا يُزال بمثله", وأن: "الواجب لا يُترك لسنة", وأن: "الفرض أفضل من النفل", وأما القول بالضرورة, فإن الضرورة تُقدَّر بقدرها, ولها ضوابطها, فقد حدَّها بعض العلماء المعاصرين للرجال في أضيق الحدود, وللتخصصات النادرة, فلا يصح -والنظرة الشرعية هذه- أن تسافر الفتيات
بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٤٣١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٤٣١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي