وهذا التوجُّه الغالب في كتب التراجم لا يرجع إلى إنكار فضل النساء وما عند بعضهن من علم، فإن الأمة مُجمعة على أن خبر الشخص لا يُردُّ بسبب الجنس؛ وإنما حال النساء في الغالب على الستر وعدم الذكر, فإن نصف المحدِّثات تقريباً من التابعيات, ممن لهن رواية في الكتب الستة المشهورة: مجهولات الحال غير معروفات عند أصحاب الحديث؛ لذا كره بعض السلف من التابعين الرواية عن النساء إلا عن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون غيرهن من النساء؛ لكونهن معلومات الحال, ومعروفات الفضل. وما كان لعلماء الأمة الأماجد أن يتعصَّبوا ضد النساء, لولا أن أحوال النساء المعلومة, ووضعهن الاجتماعي يفرض هذا التوجه في التعامل معهن.
والناظر في موسوعات تراجم الصحابة يجد هذا التوجه الاجتماعي واضحاً بيِّناً, فرغم أن النساء يشكِّلن نصف المجتمع النبوي -كما هو الحال في المجتمعات الإنسانية- إذ إن مجرد لُقيا المؤمن للنبي - صلى الله عليه وسلم - تثبت بها الصحبة والفضل، ومع ذلك فإن نسبة تراجم النساء في هذه الموسوعات منخفضة، تتراوح ما بين (12.5%) إلى (13.2%), وربما بلغت عند البعض (23.7%) كأقصى تقدير, وربما أيضاً هبطت عند آخرين إلى الصفر.
والعجيب في الأمر أن نسب أعداد تراجم النساء تكاد تكون ثابتة الانخفاض عبر الأجيال البشرية المتلاحقة وإلى اليوم, وكأنها من القضايا الاجتماعية المطردة, والمتواطأ عليها؛ فرغم المناداة في هذا العصر بحقوق النساء، والسعي الحثيث في تحريرهن، ودفعهن للمشاركة الجادة في كل مرافق الحياة العامة التي تُبرزهن في المجتمع، وتُظهر جهودهن: فإن ذكر أخبارهن في كتب التراجم الحديثة يكاد يكون معدوماً عند البعض، وربما لا تزيد عند أحدهم عن (0.5%) .