وظهر هذا السلوك كأبلغ ما يكون في عهد النبوة في جمع من الفتيات المؤمنات، فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قبل إسلامه يضرب أخته على الإسلام فتقول له مستعلية بإيمانها: "يا ابن الخطاب ما كنت فاعلاً فافعل، فقد صبوت" وكان يعذب جارية بنت عمرو بن مؤمِّل لما أسلمت عذاباً شديداً حتى يملَّ من تعذيبها، وهي على إيمانها صابرة لا تتزحزح.
ومن مظاهر السلوك الجهادي أيضاً: الصبر على الابتلاء ، فإنه سنة ربانية ماضية في كل من انتسب إلى التوحيد وأهله حتى يتبين أهل الصدق من غيرهم، قال الله تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:1-3] ولقد كان هذا الفهم القرآني واضحاً في نفوس النساء الأوائل زمن النبوة، فقد أسلمن وعشن المرحلة السرية في مكة متخفيات بإيمانهن، ويعلمن علم اليقين طبيعة وخطورة هذا الطريق، والتكاليف التي يتكبدها مَنْ سلكه، حتى الصغيرات من أمثال أسماء وعائشة رضي الله عنهما كن مثالاً رائعاً في الالتزام بالسرية، وضبط النفس عند نزول البلاء، كما ظهر ذلك واضحاً عند الهجرة النبوية.
وهذه زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و رضي الله عنها أوذيت في هجرتها، وأسقطت ما في بطنها، حتى قيل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فيها:(هي أفضل بناتي أصيبت فيَّ), وكانت الحولاء بنت يزيد بن سنان مسلمة ، فكان زوجها يؤذيها في صلاتها، فيقلبها على رأسها وهي ساجدة، وربما أخذ ثيابها فوضعها على رأسها وهي تصلي، فما زالت صابرة محتسبة لا يردها ذلك عن دينها.