وأغرب من هذا وأعجب أن مهارة الخياطة، التي تُعد من ألصق المهارات بالمرأة، ومن أوسع ميادينها: اخترع آلتها رجل، فرغم ارتباط هذه المهارة بالمرأة عبر التاريخ الإنساني ما استطاعت تطويرها حتى كان الرجل هو الذي يقوم بذلك.
34ـ واقع إنتاج الإناث في الإنشاء والتدوين
تصف بعض كتب التراجم مجموعة من النساء الفاضلات بالقدرة على الكتابة والتأليف, والاشتغال بضبط الكتب ومقابلة النسخ, وربما نسبوا إلى بعضهن كتباً بعينها, حتى إن إحداهن وُصفت بالإكثار من التأليف, إلى درجة أن بعض المعاصرين، من فرط حماسه كاد يجعلهن في مصافِّ الرجال في مجال التأليف والتدوين، بل إن إحداهن تزعم أن لبعض النساء مؤلفات تحاكي أعظم العلماء, وتعارض فحول الشعراء!! وعند مراجعة مصادر الكتب ومظانِّها في المكتبات وعبر المخطوطات لا يكاد يجد الباحث من هذه الكتب المشار إليها شيئاً, إلا أن يكون شذوذاً لا يُلتفت إليه، بل وحتى بعض الكتب التي اهتمت بجمع أسماء المؤلَّفات المفقودة من التراث: لا يُذكر للنساء فيها شيء, وكأن القلم حكرٌ على الرجال وحدهم، حتى إن الموضوعات التي قد تكون خاصة بالنساء في الغالب: كأحكام الحيض، وفن الطبخ، وأخبار النساء، وبعض الموضوعات التي تحمل شيئاً من المجون، والتي تُنسب عادة إلى الإناث، كالطرب والغناء: لا يكاد يجد المنقِّب البارع للنساء فيها تأليفاً يُذكر، حتى إن البعض -لفرط إخفاقهن في التأليف- اتهم المجتمع الإسلامي بكبت طاقاتهن العلمية ظلماً لهن، متناسين أن براعة المرأة العربية المسلمة انحصرت غالباً في الحفظ والتَّحديث بالأخبار لميل طبعها للسماع والكلام دون الكتابة التي تحتاج إلى نوع من التفرغ والهدوء اللذين لا يتحققان للمرأة غالباً.