وأما في جودة الاسترسال، وطول النفَس في قرض الشعر, والصبر عليه، فقد قصُرت أشعار النساء في القديم والحديث عن هذه المرتبة، فما يُنسب إليهن من الشعر قليل, فقد تقول إحداهن البيت والبيتين، أو المقطعات الوجيزة، أو القصيدة القصيرة، حتى إن ابن طيفور جمع أبيات (121) شاعرة في (52) صفحة فقط, وجمع السيوطي أبيات (40) شاعرة في (70) صفحة, وسُجِّل لرابعة العدوية فقط (53) بيتاً شعرياً, بل وحتى الخنساء إمامة النساء في هذا الفن لم ينفك شعرها عن هذا القصور؛ فقد غلب على قصائدها القِصَر، حتى إن أطول قصيدة في ديوانها لا تتجاوز (35) بيتاً, وهذا الإخفاق في ضعف الاسترسال قد لحق حتى شاعرات الغرب: فهذه إملي ديكنسون (ت1886م), التي تُعد من أفضل وأرفع الشاعرات الأمريكيات، التي نظمت نحواً من ثمانمائة قصيدة، تعد من عيون الشعر الأمريكي, ومع ذلك دخل عليها النقص من جهة ضعف نفَسها في الاسترسال, مما أدَّى إلى قِصَرٍ في أبيات قصائدها.
وأعجب من هذا أن تنحصر جائزة نوبل للآداب عبر تسعين عاماً في خمس من النساء فقط, مقابل ثمانين رجلاً, رغم أن العلوم الأدبية من ألصق المعارف بالمرأة وطباعها الأنثوية.
إن تفوق بعض النساء في نظم الشعر أمرٌ مقبول مالم يُقابل بنظم الرجال فإن إجادتهن للشعر نادرة في أدب الأمم عامة، وبروز بعضهن في هذا المجال على بعض الرجال لا يعدو أن يكون شذوذاً، خاصة إذا علم أن أساس الشعر الغزل, ومن المعلوم أن الغزل في العادة من صناعة الرجال، "والحياة البشرية منذ دبَّت على الأرض والرجل يسعى إلى رضا المرأة والتغزل بها"، إلى جانب أن نظم القصائد الطويلة يحتاج إلى عزم وصبر يندر وجودهما في النساء, لهذا يتوجهن إلى المقطعات من الشعر, حتى إن بعضهم لم ينسب إليهن في مجال الرثاء ديواناً مستقلاً, رغم أنه من ألصق مجالات الشعر بهن.