إن هذا الوصف لإنتاج الإناث الشعري يدل على أن هناك فرقاً بين مجرَّد نظم شعر وإنشاده، وبين إجادة الشعر وإتقانه، فإن إنشاد الشعر كان أمراً معروفاً ومشاعاً عند عامة العرب، وهو جزء من طبيعتهم الفطرية، لا يكاد يمتنع عنه أحد من الرجال أو النساء، إلا أنه لا يُوصف بالشعر عند العرب إلا من تمكَّن وأكثر منه، وتخطَّى الحدود، وتصرَّف في فنونه ومعانيه، وهذا نادر في النساء، "وقلَّما تقدَّمت المرأة عندهم في باب من أبواب الكلام أو العمل إلا كانت غريبة نادرة، وهي سنة طبيعية في التاريخ، انتفعت بها النساء الشاعرات إلى يومنا هذا؛ فإن الشيء الغريب لو لم يكن له قيمة لكفى بغرابته قيمة فيه"، وفي هذا يقول ابن جزي الغرناطي: "قد يصدر من بعضهن من بلاغة الخطاب، وبراعة الجواب، ودلائل النبل، وشواهد العقل: ما يُستغرب أمره، ويُخلَّد في الصحائف ذكره".
فليس كل من قال الشعر كان شاعراً، ولعل مما يوضح هذه المسألة حال السيدة عائشة رضي الله عنها، فرغم علمها بالطب، وحفظها للشعر، حيث كانت تحفظ عن "لبيد" وحده نحواً من ألف بيت، وتروي من نظم الشعراء ما يعجز عن حفظه كثير من الرجال، حتى قيل بتفوقها على الخنساء، رغم هذا كله لم توصف بأنها طبيبة، أو أنها شاعرة؛ بل إن الخنساء نفسَها التي أطبق الناس على تفوقها الشعري في الرثاء خاصة، فهي صاحبة أكبر ديوان لشاعرة جاهلية، كانت محطَّ اهتمام الأدباء والنُّقَّاد في القديم والحديث، وهي بإجماع علماء الشعر: أشعر امرأة في التاريخ، ومع كلِّ هذا لا تُعدُّ أبياتها المتفرقة ومراثيها شيئاً عظيماً أمام غيرها من فحول رجال الشعر الذين لم ينظموا في المراثي إلا عرضاً، بل إن بعضهم قدَّم عليها الشاعرة ليلى الأخيلية.