ولعل من الأمثلة التي تدل على صحة هذه الوجهة ما يتعلَّق برواة موطأ الإمام مالك - الذي يأتي في المرتبة بعد صحيح مسلم، فقد روى الموطأ ثمانون راوياً ليس بينهم سوى امرأة واحدة، وهي ابنة الإمام مالك، ومع قربها من أبيها صاحب الكتاب إلا أن روايتها للكتاب ليست موضع اهتمام المحدثين، ولا تُعد ضمن الروايات الموثوقة للموطأ عند العلماء، مما يشير إلى اكتفاء الأمة بمؤلفات ومرويات الرجال عن مؤلفات ومرويات النساء، بل إن الإمام مالكاً نفسه حين دخل على التابعية عائشة بنت سعد رضي الله عنها ليسألها عن بعض الحديث الذي ترويه، فلما وجدها ضعيفة البدن أعرض عن الأخذ عنها، رغم أنها كانت ثقة في نقلها الحديث الشريف.
ولقد درج الناس من طلبة العلم على الأخذ عن المشتهرين من العلماء، والإعراض عمن هم دونهم في الشهرة من حملة العلم، حتى إن جمعاً من الصحابة من أهل بدر وغيرهم من التابعين، ممن لهم علم ومعرفة لم ينشغلوا بالتعليم لانصراف الناس عنهم إلى المشهورين من علماء الصحابة والتابعين، فإذا كان هذا حال طلبة العلم مع العلماء من الرجال، فكيف تراه يكون حالهم مع العالمات من النساء؟
30ـ واقع إنتاج الإناث في العلوم الأدبية
تميل طبائع كثير من النساء نحو العلوم الأدبية أكثر من غيرها من العلوم حتى وُجد من بينهن من تُجيد اللغة والنحو، وتعلِّم الأدب للنساء، إلا أن إنتاجهن في علوم اللغة العربية، وآدابها يكاد يكون معدوماً، كما أن درجة بروزهن في هذا المجال لا تُؤهلهن لأن يذكرن ضمن تراجم البارزين من فحول النحاة والأدباء، فلا تُذكر منهن واحدة، وربما ذكر بعضهم ثلاثاً من النساء، ولكن في مقابل (2209) من النحويين واللغويين الرجال، حتى إن دراسة حديثة شاملة لأدباء العرب من مسلمين وغيرهم خلال الفترة من 1800م -1925م: أوردت أسماء (15) أديبة فقط مقابل (1737) من الأدباء الرجال.