ومن هذه القاعدة الثابتة، والعلاقة البيِّنة انطلقت دول العالم - خاصة المتقدمة منها- في دعم التعليم بصورة كبيرة، حتى إن اليابان تنفق على التعليم قريباً من ضعفي ما تٌنفقه على النواحي العسكرية والأمنية، فانعكس هذا الإنفاق السَّخي على تلك الدول بمردود اقتصادي غير مباشر؛ حيث ظهرت لهم علاقة إيجابية جديدة بين حجم التعليم وتحسُّن المستوى الاقتصادي، فأصبحت العلاقة الإيجابية بينهما متبادلة، واستقر في الأذهان من جديد أن دعم التعليم في حد ذاته استثمار اقتصادي بصورة أساسية، فانطلقت الدول المتقدمة بصورة أكثر إيجابية نحو التعليم في حد ذاته دون النظر إلى مقدار استهلاكه، أو مردوده الاقتصادي باعتباره استثماراً في رأس المال البشري، الذي يمثل أثمن رؤوس أموال البلاد، فوصلت هذه الدول بعد تجارب، وخبرات طويلة إلى مفهوم الإسلام -المثالي الواقعي- عن العلاقة بين التعليم والاقتصاد، من أن المعرفة الصحيحة في حد ذاتها خير للفرد والجماعة، وهي مع هذا شرط للنمو والتحضر الإنساني، وتعمير الأرض، فالعلاقة بينهما متبادلة متماسكة بطبعها، لا تحتاج لمزيد ربط مُتكلَّف.
وقد أدرك السلف هذه العلاقة منذ عهد الراشدين رضي الله عنهم فدعموا التعليم بكل قوة على جميع المستويات المادية والمعنوية، وجعلوه مشاعاً بلا مقابل، مع تكافؤ الفرص للجميع دون تمييز اجتماعي أو جنسي ضمن الضوابط الشرعية، وفصلوه عن ميزانيات البلاد، وأنظمتها السياسية حتى لا يتأثر بتقلُّباتها ومستجداتها، ودعموه بالأوقاف، والعطايا السخية، وجعلوا أنظمته الإدارية مستقلة غير مركزية، فجاءت ثمار جهودهم واختياراتهم الاجتهادية مثمرة يانعة.