ولما كانت الرابطة الزوجية أقوى الروابط بين اثنين، بحيث يشعر كل منهما بأنه شريك للآخر في كل شيء : كانت داعية التَّغاير بينهما آكد، وأسبابها أوفر، حتى يتغايرا على الدقائق والخفايا، ويعتمدا على الظَّن والوهم، فيُغريهما ذلك إلى التنازع والتخاصم .
ولما كانت أسباب إثارة الغيرة بين النساء أكبر؛ لضيق مجالات التنافس بينهن، خاصة في مجال الحياة الزوجية، حيث التنافس على الزوج، ومحاولة الانفراد به، والاستحواذ على عواطفه : كانت مظاهر التَّغاير أعظم، ووقائع التنافس أشد؛ فإن المرأة إذا شعرت بتعرُّض حبها للخطر بمنافس آخر، انطلقت بكل شراسة للرد عن نفسها، والذود عن ساحتها بكل وسيلة ممكنة . فيغيب عن إحداهن كثير من قدرات الضبط السلوكي، ونظرات البعد العقلي، حتى لربما بلغ بإحداهن هيجان الغيرة إلى الوقوع في جناية عدوانية تستلزم القصاص، وإقامة الحد، أو لربما جاءت بسلوك اجتماعي عام في غاية الشَّناعة، وأقل ما يمكن أن تقوم به الغيرى إذا أغْلقت : أن تجني على الأموال، والأمتعة والممتلكات، أو أن تأتي بكلام وعبارات لا ترضاها حال سكونها، وذهاب انفعالها، أو لربما وصل بها فرط الغيرة إلى أن تتلفَّظ بما قد يُعتبر ردة عن الدين، وقد تفعل الغيرة فعلها بالمرأة العاقر حتى تكون سبباً في حملها، وفي هذا كلِّه يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما ورد عنه، في وصف هذه الحالة النفسية التي تعتري بعض النساء : (( إن الغيْرى لا تُبصر أسفل الوادي من أعلاه )) . وقد كان يعتري بعض زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - وكثيراً من فضليات النساء شيء من ذلك، بل إن إحداهن لتغار من مُطلقها عند علمها بزواجه بعد أن تكون قد بانت منه، مما يدل على أنهن يُعذرن شرعاً إذا كان الوارد عليهن من الغيرة أشد من قدرة احتمالهن، إلا ما كان من حقوق الآخرين، فلا بد فيه من إحقاق الحق . وشدَّة الغيرة عند المرأة كثيراً ما ترتبط بشهوتها ولذتها، فبقدر لذتها