ولقد جرت طبائع غالب الناس في اختيار الأصدقاء والجلساء والزملاء على الأكفاء، فيحب الرجل أن يصادق من يكافئه في المكانة الاجتماعية، ومن يشابهه في الطباع والأفكار، ويقاربه أيضاً في السن؛ لما يكون في هذا التجانس من تمام الألفة، ودوام المحبة بين الأصدقاء، وهذا أمر يكاد يكون عاماً في أوساط الناس، ومخالفته تحتاج إلى شيء من الصبر، ومدافعة هوى النفس؛ فقلَّما يتصادق غنيٌ وفقير، وأمير وحقير، وشريف ووضيع؛ إذ يحتاج كلٌ منهما إلى جهد نفسي يتكلَّفه لصاحبه، ويدافع نفسه، ولا سيما من جهة صاحب المكانة و الغنى والشرف، فالأمر عليه أصعب؛ ولهذا كانت ملازمة الفقراء والمساكين، من مسالك الزهاد والعباد، الذين تجرَّدوا عن كثير من حظوظ النفس ورغباتها؛ فإن مسلك التواضع عسير، وإنزال النفس دون مقامها صعب .
وتتجلى قضية الكفاءة بين الناس كأشد ما يكون في مسائل النكاح، حين ترفض الأسرة الشريفة الوضيع من الخطَّاب، وتأنف المرأة أن تكون فراشاً لرجل دونها في الشرف والمكانة؛ فالأسرة تتضرر بالرجل الوضيع حين يكون سبباً في تنفير الشرفاء من هذه الأسرة، وحصول الشقاق بين الأقارب، والمرأة تتضرر به حين تراه دونها، فلا تنبسط له انبساط الزوجة المحبة، ولا تقوم على بيته قيام الزوجة المجدة، إضافة إلى ما في الزواج من طول الصحبة، ودوام العشرة .