إن هذا الإلحاح الأنثوي الغامر، والمتشعِّب في طبيعة الفتاة، والذي ينبعث ليشمل كيانها بشقيه الرئيسين: الروحي والجسمي، ويبلغ تأثيره حتى على طبيعة موضوعات أحلامها، حيث يشغل الجنس الآخر، وموضوعاته العاطفية حيِّزاً كبيراً من مضامين رؤاها، بل حتى حين يكون الاختيار بيدها، فإنها تتحدث عن الرجل أكثر بكثير من حديثها عن نفسها، أو عن بنات جنسها . إن هذا الإلحاح المتدفق والممتلئ بالحيوية، والمفعم بالعواطف إذا لم تجد له الفتاة متنفساً طبيعياً عند الرجل الزوج، فإن من الصعوبة عليها إخفاء آثاره، أو محاولة كبته بالكلية؛ لهذا تستعين الفتاة تلقائياً على ضبطه بوسيلتين إحداهما : النشاط الروحي والتسامي بالعبادة، والأخرى : التوجه العاطفي نحو بنات جنسها، ممن ترى فيهن مثالاً لها، بحيث يغمرها تجاه إحداهن حبٌّ عميق قد يصل إلى درجة الهيام والغرام، والغيرة الشديدة، والخوف من فقدانها .
وهذا الحبُّ الغامر، الذي تتبعثر شحنته بترك الزواج، أوتأخيره بصورة مفرطة: هو القاعدة العاطفية الطبيعية، التي تُبنى عليها علاقة الفتاة بشخص من الجنس الآخر، وهو الذي يدفع الفتاة لترك أهلها وأحبائها من أجل اقترانها برجل غريب عنها، حيث تشبع من خلال علاقتها به هذه الخلَّة النفسية العاطفية عندها، وتكوِّن معه أعظم وأهنأ وأغلظ رباط يمكن أن يُعقد بين اثنين من الخلق، بحيث تجد الفتاة في الطرف الآخر من الجهة الروحية ما يشكل معها وحدة روحية واحدة، ومن الجهة الجسمية ما يحقق الغرض من اللباس، حيث الامتزاج الكامل بين الشريكين، وتلبُّس كل واحد منهما بالآخر، فتلتقي مظاهر الأبدان وبواطنها، وبروزاتها وتجاويفها : لتؤلف شخصاً واحداً في كيانين ممتزجين، كما وصفها المولى - عز وجل - بقوله المحكم : ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ … ﴾ [البقرة:187].