وقد أهَّلَ المولى - عز وجل - الأب جسمياً ونفسياً وعقلياً لهذه المهمة التربوية، فهو أقوى نوعي الإنسان بنْية، وأرسخهما فهماً، وأضبطهما عاطفة، وهو رمز السلطة، وقمة النظام الرئاسي لكل العلاقات الإنسانية؛ فسلطة الضبط والمنع تكون عادة بيده، أكثر مما تكون بيد الأم، وقد أثبتت الدراسات أنه الأنفع لهذا الدور الأسري، بحيث لو تخلى عنه للأم: سبب ذلك خللاً في نفوس الأبناء، وربما كان سبباً لانحرافات خلقية عظيمة، فلكل واحدٍ من الوالدين تأثيره الإيجابي في الأبناء، ولا يُستغنى بأحدهما عن الآخر، فالفتاة في أسرتها تحتاج إلى النضج الرجولي في والدها، كما تحتاج - في الوقت نفسه - إلى النضج الأنثوي في أمها، فيتكامل الدَّوْران، ويحصل الأثر التربوي المنشود من تفاعلهما في الحياة الأسرية.
إن من أعظم أسباب الانحرافات الخلقية المختلفة في الحياة الاجتماعية المعاصرة: فقدان سيطرة الأب الجاد، الذي يشرف بنفسه على انضباط أسرته، ويحافظ عليها من الانهيار، وقد كشف البحث الميداني المعاصر عن وجود ضعف عام في السلطة الأبوية، وأن غياب الأب - على وجه الخصوص - يؤثر سلباً على سلوك أفراد الأسرة، فغالب جرائم النساء عموماً، والفتيات خصوصاً تعود إلى فقدان سلطة الآباء في ضبط سلوكهن، تلك السلطة القوية الصادقة، غير المفتعلة، التي تفرض السلوك الصحيح بصورة مطردة، فتشعر الفتاة في ظلها بالأمن والاستقرار، ولعل هذا الدور التربوي المهم للآباء كان وراء قرار مجلس النواب الفرنسي عام 1915 بالسماح "للنساء بممارسة سلطة الأبوين" فإن المرأة التي تفقد زوجها تقوم في بيتها مع أولادها بدورين، دور الأم في حنانها وعطفها، ودور الأب في قوته وسلطته.