تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أدرك أحد السلف هذا المعنى الخطير في طبيعة المتربين فقال لمربي أولاده واعظاً له، وملفتاً لمداركه نحو أهمية القدوة وتأثيرها المزدوج: "ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت"، ودخل أحدهم مع أولاده على الإمام أبي إسحاق إبراهيم الحربي، فسأله إبراهيم: هؤلاء أولادك؟ فقال الرجل نعم، قال إبراهيم: "احذر أن يروك حيث نهاك الله فتسقط من أعينهم".

إن على المربين أن يدركوا أن التربية الخلقية قبل كل شيء "تبنى على أساس الخبرة العملية؛ لأن القيم تتوقف على الموقف" أكثر بكثير من توقفها على المعرفة، فلا يكفي فيها الوعظ والإرشاد، ونقل الصور والمعلومات، فالتربية لم تكن قطُّ "نقل مجموعة من الحركات، وإنما هي نقل منظومة من الأفكار، والعواطف: لصناعة الكائن صناعة اجتماعية، وإدخاله المجتمع من الوجهة الصناعية الفنية، والوجهة الروحية في آن واحد"، وهذا لا يتم بكماله المطلوب بمجرد إيصال المعلومات - مهما كانت صحيحة- دون سلوك عملي واقعي في قوالب من المواقف التربوية المختلفة والمتكررة، التي يعيشها المتربي مع من يقوم بتربيته.

وانطلاقاً من هذه المفاهيم الأساسية لدور القدوة وأهميتها، فإن الفتاة أحوج ما تكون للقدوة الصالحة في الوالدين والأقارب والمعلمات، حيث يقلُّ احتكاكها بباقي أفراد المجتمع لعدم البروز، فتقل بالتالي فرص التأثر بالقدوة لتقتصر على المحارم من الرجال، وبعض النساء، في حين يجد الشباب من الذكور فرصاً أكبر للقدوة في الحياة الاجتماعية من العلماء، والأشخاص، والزملاء أكثر بكثير مما تجده الفتيات، ومن هنا فإنهن أحوج إلى تأثير المربين في الأسرة من: الوالدين، والمحارم، والصالحات من الوسط النسائي لتحقيق مبدأ إشباع الحاجة إلى القدوة، وحصول التأثر السلوكي الضروري لامتثال القيم والأخلاق الإسلامية في سلوكهن.

بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ١٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحوث تربية الفتاة المسلمةص ١٦٥