ومن هنا تظهر أهمية التزام المربين بالسلوك الصحيح الموافق للحق، وإلا كانوا موقع قدوة سيئة للمتربين، يقول الله تعالى واعظاً المؤمنين، ومنبهاً إياهم على هذه القضية الخطيرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:2-3]، فجعل - سبحانه وتعالى - مخالفة الأقوال الحسنة بالأفعال السيئة من أسباب مقته، وحصول غضبه، فقد توعَّد هذا الصنف من الناس بأشد أنواع العذاب والخزي يوم القيامة؛ لما في هذا السلوك المتناقض من تأثير سيء على المتربين، وعموم المتلقِّين.
وقد أثبتت التجارب أن النشء يتأثرون في أحكامهم الأخلاقية بالكبار أكثر مما يتأثرون في هذا الجانب بأقرانهم الصغار؛ لذا فإن القدوة الطيبة يمكن أن تقوم بدور كبير جداً في التربية، فقد لا يحتاج المربون إلى كبير جهد في العملية التربوية إذا أوجدوا القدوة الصالحة، فإن قمة العطاء التربوي يمكن أن تتحقق بجهد يسير، وفي الجانب الآخر فإن الجهد التربوي مهما كان حجمه كبيراً فإنه لن ُيحقِّق شيئاً من خلال المواعظ والنصائح دون القدوة الصالحة في سلوك المربين، ومن المعلوم أنَّ "فاقد الشيء لا يعطيه، فمن لم يكن صاحب خلق لا يمكن أن يربي غيره تربية أخلاقية، ولو عرف كل أساليب وطرق ووسائل التربية الأخلاقية"؛ فالشَّعائر التعبدية - مثلاً - إذا لم يكن لها تأثيرها الإيجابي على سمت المربين المتعبدين، فإن الشباب يعتبرونها مضيعة للوقت، وكذلك المبادئ الأخلاقية والقيم الاجتماعية، إذا لم يجدوا مظاهرها متمثلة في سلوك الكبار: فإنهم يكونون من أكفر الناس بها، وأكثرهم لها نقداً، وربما ظهر على سلوكهم التناقض والتردد بين مظاهر السعادة والتعاسة، فيعكسون بهذا السلوك المضطرب واقع المجتمع المتناقض من حولهم.