إن المسائل الفقهية المدونة في كتب الفقه والتراث الإسلامي تشبه - إن صح التشبيه - الصيدلية، فلا يكفي المريض المثقف أن يعرف خصائص الأدوية المنشورة وتراكيبها ليختار لنفسه، وإنما يحتاج للطبيب يرشده ويعينه، وكذلك حال غير المتخصص الشرعي مع الكتب الشرعية، فلا يكفيه الاطلاع على المسائل العلمية عبر الموسوعات الميسرة، والأقراص المدمجة حتى يرجع بالمسائل إلى أهل العلم القادرين على الاختيار والترجيح.
ويطرح بعضهم قضية جواز كشف وجه المرأة في الصحف السعودية، على أنه قول صحيح، وربما على أنه القول الراجح، والناظر يتعجب لماذا هذا الطرح العام، أليس من الأدب الاجتماعي الانسجام مع الفتوى الشرعية في البلاد، والمخالفة تكون بصورة فردية لمن كان يرى غير ذلك.
ومع أن العلماء اختلفوا في جواز كشف المرأة عن وجهها أمام الأجانب من الرجال إلا أنهم اتفقوا على أنه فضيلة، فهل يكون من المنطق الشرعي أو العقلي حثَّ الناس على ترك الفضيلة، فلو أن شخصاً هوَّن من نوافل الصلاة عند الحريص عليها لعدَّه الناس آثماً، فلماذا يهوِّن بعضهم من فضيلة غطاء وجه المرأة وكفيها عن الرجال الأجانب ؟.
ولا يبرر لهم حديثهم هذا عن بيان جواز الكشف كون علماء البلاد وأهل الفتوى فيها يصرِّحون بالوجوب، فإن التحريض على الأخذ بالعزيمة ممدوح، في حين أن التحريض على الأخذ بالرخصة مذموم، لاسيما في مسائل الخلاف الفقهي؛ فإن القواعد الفقهية تنص على الأخذ بالأحوط، والخروج من الخلاف إلى السلامة ونحو ذلك.
ثم أليس من الأولى أن نشتغل بإقناع النساء المتبرجات - وهن كثير - بالتزام الحدِّ الأدنى - على الأقل - من الحجاب الذي أمرهن الله تعالى به بدلاً من إقناع النساء المتنقِّبات - وهن قليل - بجواز كشف وجوههن للرجال الأجانب ؟.