ومن هذا المنطلق الفطري في الفروق بين الجنسين جاءت الشريعة الإسلامية موافقة لهذه الطبيعة الفطرية فأمرت النساء في الحياة العامة بالحجاب، وإخفاء الزينة، ومُنعن الطيب، ولفت الأنظار بالمشْية، وأمرن بخفض الصوت، وعُذرن من الأذان والإقامة، والرمل في الطواف، وكل ما من شأنه إثارة للرجال، وحتى الميتة منهن تُستر فلا يرى الأجانب حجم عظامها، بل وحتى الوجه والكفين - رغم الخلاف الفقهي في جواز كشفهما أمام الأجانب - فقد أجمع العلماء على وجوب تغطيتهما عند خوف الفتنة وكثرة الفساق، ومن المعروف للجميع أن وجه المرأة هو أعظم مواضع جمالها، وأكثر ما يجذب نظر الرجال إليها؛ ولهذا لو قيل للخاطب : ترى ما تشاء من جسد مخطوبتك دون أن ترى وجهها لرفض، في حين يقبل برؤية وجهها دون باقي جسدها، مما يدل على مركزية وجه المرأة بالنسبة للرجل.
ثم إن المرأة قبل نزول آيات الحجاب، وفي زمن الجاهلية أيضاً كانت تغطي رأسها وجزءاً كبيراً من سائر بدنها، ولم يعرفن تبرج النساء في جاهلية هذا العصر؛ ولهذا لم يكن الأمر بتغطية الصدر خاصاً بالمرحلة المدنية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بناته بذلك؛ فقد روى الطبري في المعجم الكبير بسند رجاله ثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته زينب رضي الله عنها بمكة :(يا بنية خمري عليك نحرك), مما يدل على أن الأمر بالحجاب في المرحلة المدنية كان يحمل معنىً إضافياً أكثر من مجرد تغطية الصدر، ولهذا ذهب جمهور المفسرين إلى أن الجلباب تغطي به المرأة وجهها.