- والمسألة التي نحن بصددها هي بشأن عارضً من عوارض الأهلية [(12)] التي تُلمّ بالمسلم، فترفع من الحكم المماثل في العادة، إما تأقيتا أو استدامة، وهو عارض الجهل. والحق أنّ النزاع هنا يختصّ بحكم العاذر في عارض الجهل.
- نقلنا من قبل قول بن تيمية "والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما مخطيء ضال، و أما بالمعنى الذي نفاه الرسول - صلى الله عليه وسلم-: فهو أيضاً مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضاً كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها" [(13)]. ومربط الفرس في قوله " إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها". وهو عين ما ذكره في موضع آخر عند حديثه عن جماعة الشيخ يونس وهو من العامة الذين يجهلون حقيقة قولهم.
- ويؤكد بن تيمية هذا المذهب فيقول في الجزء الأول من الفتاوى "وأما الداخلون في الإسلام إذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول، بل دعوا الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم، فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيهم مما يرضى الشيطان. ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين مع نوع جهل، يحمل أحدهم فيوقف بعرفات مع الحجاج من غير أن يحرم إذا حاذى المواقيت ولا يبيت بمزدلفة، ولا يطوف طواف الإفاضة، ويظن أنه حصل له بذلك عمل صالح وكرامة عظيمة من كرامات الأولياء، ولا يعلم أن هذا من تلاعب الشيطان به"ج 1. وهو قولٌ مُحكمٌ في المسألة.
- أما عن التأويل فيقول رحمه الله " فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل الله لكل شيء قدرا"مجموع الفتاوى ج 3، كما يقول "وإذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك، كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدل فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وهذا في الصحيحين. وفيها أيضا من حديث الإفك أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة: أنك منافق تجادل عن المنافقين، واختصم الفريقان، فأصلح النبي بينهم. فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم إنك منافق، ولم يكفر النبي لا هذا ولا هذا بل شهد للجميع بالجنة" مجموع الفتاوى ج 3. فها هو ينكر تكفير المتأول، الذي جزم الحازميّ بكفره.
- ثم يقول بن تيمية رحمه الله، وهو قولٌ فصلٌ ندعو القارئ الحصيف أن يتأمله جيداً، إذ يمسّ عين المسألة التي أُتِيَ منها الشيخ الحازميّ هداه الله، وهي الإطلاقات والتعميمات، دون النظر إلى التخصيصات والمقيدات، أو الأحوال والمناطات. قال بن تيمية "فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين: " أحدهما "أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول وأن خلاف ذلك كفر على الإطلاق فنفي الصفات كفر والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة أو أنه على العرش أو أن القرآن كلامه أو أنه كلم موسى أو أنه اتخذ إبراهيم خليلا كفر وكذلك ما كان في معنى ذلك وهذا معنى كلام أئمة السنة وأهل الحديث. و" الأصل الثاني "أن التكفير العام - كالوعيد العام - يجب القول بإطلاقه وعمومه. وأما الحكم على المعين بأنه كافر أو مشهود له بالنار: فهذا يقف على الدليل المعين فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه". وهو كلامٌ يُحفر في مآقي العيون، إذ يشير فيه بوضوح إلى منشأ الخلل عند الكثير من الفضلاء ممن تجاوزا إلى الغلو. فالتكفير العام كالوعيد العام، يجب إعتبار شروطه وانتفاء موانعه، وهو يتحدث في أمور العقيدة هنا حتى لا يموّه أحد أنّ ذلك في مجارى الأحكام! وهذا الكلام يتسق مع مذهب بن تيمية رحمه الله. ونحن نحمله هنا على العاذر في هذه المسألة، أو على من تلبس بهيئة شركٍ لم نتحقق من مناطه.