- ويقول الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، في كلام واضحٍ مُحكم "وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفّر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفّر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر الينا؟ أو لم يكفر ويقاتل (سبحانك هذا بهتان عظيم) النور 16" [(14)]. أفبعد هذا البيان بيان؟ أنحتاج إلى الإطناب في سرد الأدلة بعد ما ذكر شيخ الإسلام في هذا الموضع؟ وشيخ الإسلام يتحدث هنا عن الفاعل للشرك، فكيف بمن عذره؟ نعم والله، هذا بهتانٌ عظيم. ولو طردنا مذهب الحازميّ لكفرنا شيخيّ الإسلام بن تيمية وبن عبد الوهاب! ولعله يقول بذلك.
- قد احترز الشيخ الحازميّ من مثل هذا القول الذي هو لازم مذهبه، فكرّر، عشرات المرات، أنه يجب الاعتصام بالكتاب والسنة، وأنه لا يجب أن يبالي أحدٌ بقول غيرهما، ومثل هذا مما أطلقه كثير ممن قال ببدع شنيعة من قبل، وإن كنا لا نخفض الحازميّ لمصاف المبتدعة، إلى ساعتنا هذه، إلا أن يبيّن ويرجع إلى الانصاف. وهو كلامٌ يخيلُ على الأتباع من الدهماء، فيظهره كأنه قوة في الدليل وهو في حقيقته خلاف ذلك. وشيخيّ الإسلام يتبعان الكتاب والسنة، ولكنهما عرفا خطأ التعميم في التكفير، الذي هو مذهب الحازميّ، حتى لو أنكره الحازميّ عن نفسه، أو أنكره عنه مقلدوه. كما أنّ شيخيّ الإسلام عرفا مقام إقامة الحجة، والبيان، من عدمهما، وضرورة الاستتابة ومعناها، والفرق بين الجاهل والمخالف المعاند، هذا كله ونحن نرى رأينا الذي قدمناه من قبل في كفر من ارتكب شركاً بيّنا لا شكّ فيه، لكنّا لا ننزع إلى مثل هذا الغلو الذي يكفّر من يرى عذراً بجهل، سواءً لعدم إقامة الحجة، كما قال بن عبد الوهاب رحمه الله"عدم من يُنبّههم"، أو لأن المناط الشركيّ لم يتحقق من دعاء العبادة والمسألة، لا الدعاء عند القبر، أو غير ذلك، مما يمكن أن يقوم كعذرٍ ولو كان مرجوحاً.
- وقد قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله "فنقول: إذا كان يعمل بالكفر والشرك، لجهله، أو عدم من ينبهه، لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة؛ ولكن لا نحكم بأنه مسلم، بل نقول عمله هذا كفر، يبيح المال والدم، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص، لعدم قيام الحجة عليه؛ لا يقال: إن لم يكن كافرا، فهو مسلم، بل نقول عمله عمل الكفار، وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه، متوقف على بلوغ الحجة الرسالية" [(15)]. وهذا يعنى عدم تكفيره بلا شك. وقد يُشتمّ في هذا القول "التوقف" فيمن هذا حاله، وهو ما لا نرى أنّ شيخ الإسلام يقول به، فإن المرء يدور بين حالين، لا ثالث لهما، إمّا إسلام وإما كفر، كما قرر الحازميّ نفسه مرات عديدة، إذ لا نقول بقول المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين.
- ومن هنا فإننا نرى الجمع بين أقوال شيخ الإسلام بأنّ قصده أنْ لا نصرح بالحكم بإسلام هذا الفاعل، وإن كان مسلماً باستصحاب الأصل، حتى تقوم عليه الحجة، وذلك لوقوع الشكّ الذي لا يرتفع إلا باليقين. وفرقٌ بين وقوع الشكّ المانع من النطق بحكم، وبين إثبات حالة ليست بإسلامٍ ولا بكفر. بل ما نصرّح به أنّ فعله فعل كفرٍ لا غير. أمّا ما ذكره الحازميّ من التفرقة بين الاسم والحكم، فلا أظنه يقوم على ساق، بل إن مذهبه أنّ "الحكم" هو "صفة" أو "إسم"، يقال: حكمُ فلانٍ الاسلامُ، وحكم فلانٍ الكفر. فهذا مصطلحه، والتفرقة بينهما تناقض معيب. والأسماء ليست مقصودة لذاتها، بل هي دالة على معنى أو صفة قائمة في المسمى أو الموصوف، ويجب أن يتصف كلّ امرئ بصفة أو مسمى في كلّ حال وإلا وقعنا في التوقف، ونحن نقول إن "الحكم" أليق أن يُفهم على إنه من ناحية التنفيذ، أي تطبيق الحدّ بعد ثبوت الاسم أو الصفة، وإلحاق الفرد بأيهما يقيناً، أيّ لا يقام حداً إلا بعد ذلك. فهو مسلمٌ، في إسلامه شكّ لا يرفع الصفة، إذ يجب استصحاب الأصل فيه، لكن لا يثبت الكفر اسماً ولا صفة ولا حكماً إلا بعد إقامة الحجة وردّها.